لم تعد محاربة الفساد مطلبا نخبويا في السودان، إنما أصبحت ضرورة ملحة تتفاعل معها السلطات والمؤسسات التشريعية والفقهية وتشغل الرأي العام في أرجاء البلاد، بعد أن طفح الكيل وأثرى مسؤولون من المال الحرام ونهبت حسابات بعض الشركات.

عماد عبد الهادي-الخرطوم

ما إن قررت الحكومة السودانية التخلي عن قبضتها الأمنية وسمحت بممارسة الحريات العامة في البلاد، حتى دُفعت لاتخاذ تدابير جديدة لمعالجة حالات التعدي على المال العام ومحاسبة المفسدين، كما تطالب بذلك عامة الشعب.

وقد أثيرت قضايا ضد شركات ومؤسسات عامة نظرا لتحويل مسؤولين فيها أموالا عامة تقدر بملايين الدولارات لصالحهم، إلى جانب حصول مسؤولين وقانونيين على عمولات بغير وجه حق، مما فتح الباب لحرك البرلمان ووزارة العدل والمراجع العام في محاولة لمعالجة الأمر.

لكن جهود مؤسسات عدلية اصطدمت بعقبة جديدة تسمى "فقه التحلل" وهي أن يقوم المعتدون على المال العام بإعادة ما يعترفون به مقابل إخلاء سبيلهم، مما أثار سخط الشارع الذي طالب بمحاسبة المفسدين واستعادة كل أملاك وأموال الدولة.

ودفع سخط الشارع العام مؤسسات كالبرلمان ومجمع الفقه الإسلامي للاعتراض على "فقه التحلل" والمطالبة بملاحقة المفسدين.

زخم شعبي
وكانت قضيتان شغلتا الشارع السوداني أولاهما إعادة موظفين أثروا من المال العام لنحو 18 مليون جنيه تحللا مقابل إخلاء سبيلهم، لكن النيابة العامة أعادت احتجازهم مرة أخرى بعد جدل عام في البلاد.

أما القضية الأخرى، فتعرف بقضية شركة الأقطان التي خضعت للتحكيم بشأنها ونالت بسببها هيئة التحكيم مبالغ كبيرة، لكن وزارة العدل تدخلت وأعادت القضية للمحكمة واستعادت ما حصلت عليه الهيئة.

شدو طالب بمراجعة قانون الثراء الحرام وتفعيل دور هيئة الحسبة والمظالم (الجزيرة)

ويقول عضو البرلمان مهدي عبد الرحمن أكرت إنه لا بد من إعادة الأمور إلى نصابها بعد انتشار الفساد بصورة يصعب احتواؤها، ومن منطلق نداء الرئيس أمام البرلمان بالعمل على إعلاء قيم الحرية والعدالة والشفافية.

ويضيف أنه خلال شهر واحد كشفت الصحافة السودانية والمتابعات اليومية جوانب من أوجه الفساد "الذي لا حصر له"، معلنا عن إنشاء لجنة برلمانية لاستعادة أموال وأملاك للدولة استولى عليها من وصفهم بضعاف النفوس.

ويؤكد للجزيرة نت أن اللجنة المقترحة ستكون اختبارا لمصداقية ما نادى به الرئيس، مشيرا إلى أنها قوة إسناد لوزير العدل الذي اعترف بتعرضه لكثير من الضغوط بسبب بعض قضايا المال العام.

ويشير إلى أن اللجنة البرلمانية ستقف مع وزير العدل والنائب العام ومفتش عام الدولة والقضاة ضد أي ضغوط مستقبلا، قائل "سنعمل يدا واحدة لأجل إرجاع أموال الشعب السوداني التي استولى عليها بعض المسؤولين دون وجه حق".

ويقول إن اللجنة ستضم خلال الفترة المقبلة ناشطين وقانونيين ومفتشين مستقلين لأجل حماية حقوق الشعب السوداني وإرجاع ما سرق منها.

مجمع الفقه الإسلامي بالسودان انتقد مفهوم  "فقه التحلل" واعتبر الاستيلاء على المال العام جريمة جنائية يستحق مرتكبها المحاسبة حتى ولو رده كله

أما الخبير القانوني شيخ الدين شدو، فاعتبر أن عودة الحكومة لملاحقة المفسدين أمر تتطلبه المرحلة الحالية التي طفح فيها كيل الفساد المالي، على حد قوله.

عقوبات رادعة
ورأى ضرورة مراجعة قانون الثراء الحرام مع تفعيل دور هيئة الحسبة والمظالم، مستنكرا ما أطلق عليه فقه التحلل، مشيرا إلى أنه يحرض المفسدين ويمكنهم من التلاعب بأموال الدولة لضمانهم عدم المحاسبة.

وتساءل شدو عن كيفية إعفاء من تتهمه النيابة بالاستيلاء على مليارات الجنيهات بعد إعادته مبلغ 17 مليون منها، مطالبا بتوقيع عقوبات رادعة على المعتدين على المال العام والمتستّرين عليهم.

كما طالب بالشفافية وتكوين لجان محايدة ومؤهلة للمتابعة وكشْف كل أوجه التملك الجنائي وخيانة الأمانة والاحتيال.

وأوضح أن المادة 77 من قانون الثراء الحرام تعاقب من ينتهكها بالإعدام لكنها غير مطبقة، على حد قوله.

بدوره انتقد مجمع الفقه الإسلامي بالسودان ما أطلق عليه فقه التحلل، معتبرا الاستيلاء على المال العام دون وجه حق جريمة جنائية يستحق مرتكبها المحاسبة حتى ولو رد المال كله أو جزءا منه.

ورفض رئيس المجمع عصام أحمد البشير في خطبة الجمعة الماضية إبراء ذمة المعتدي على أموال الشعب بردها كلها "لأنها في فترة الاستيلاء عليها أو إهدارها كان ينبغي أن تعود كخدمات للمجتمع، فضلا عن خيانة الأمانة واستخدام السلطة للثراء الحرام".

المصدر : الجزيرة