اعتبر راينر زوليش الخبير في شؤون الشرق الأوسط أن تمديد فترة التصويت في الانتخابات الرئاسية المصرية بطريقة مخجلة كي تصل نسبة المشاركة أخيرا إلى الحد الأدنى المُرضي، خطوة أخرى باتجاه العودة إلى حقبة الرئيس السابق حسني مبارك.

وفي مقال له نشره الموقع الإلكتروني لهيئة الإعلام الألمانية "دويتشه فيلله"، كتب زوليش أن السيناريو الذي سيكون مثاليا هو أن يتدفق المصريون على اللجان الانتخابية للتصويت للرجل الذي نجح قبل عام في إزاحة الرئيس محمد مرسي وأن تكون الانتخابات مناسبة ليرى العالم بأسره سعادة المصريين وهم يضعون مصير أمتهم المرهقة من الثورات بيد شخصية عسكرية قوية، ثم أن يستوعب العالم أخيرا أن المصريين يمرون بمرحلة صعبة، ولذلك فهم مستعدون للتنازل عن بعض حقوقهم الأساسية بهدف إرساء الاستقرار في البلاد وإبقاء الإخوان المسلمين بعيدا عن السلطة.

سيناريو جميل ولكن الناخبين لم ينفذوه. (وزير الدفاع السابق) المشير عبد الفتاح السيسي كسب الانتخابات، وفق النتائج الأولية، وبفارق كبير عن منافسه حمدين صباحي، ولكن نسبة المشاركة في الانتخابات كانت متدنية لدرجة مخجلة، رغم كل حملات التعبئة والحشد، مما اضطر الدولة لاتخاذ إجراءات استثنائية.

فقد تقرر سريعا تمديد فترة التصويت ليوم ثالث، والموظفون حصلوا على يوم عطلة رسمية في ثاني أيام الانتخاب، وسائل الإعلام وكبار الشخصيات الدينية حاولت بكل جهدها حث المواطنين على تأدية "واجبهم الوطني"، كما وُزعت الحلوى على الأطفال. ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد كانت هناك نداءات عبر الراديو لإخبار المواطنين بأن الانتخاب في مصر واجب وليست خيارا، ثم هدد المسؤولون بفرض غرامة مالية على من يتخلف عن المشاركة.

المخالفون سياسيا لهذا التوجه، كالإخوان المسلمين وحركة 6 أبريل وغيرها من المجموعات الليبرالية والعلمانية، تعرضوا قبل الانتخابات لقمع كبير، وصل إلى حد حظر تلك الحركات واعتقال أعضائها، بل وإصدار أحكام إعدام جماعية بحقهم

شرعية منقوصة
إذن كان المطلوب من الناخبين أن يستمروا في التصويت حتى الوصول إلى النتيجة المطلوبة، أو بالأحرى إلى نسبة المشاركة التي ترغب بها السلطات، لذلك تعد نتيجة الانتخابات صفعة قوية لقيادة الجيش المصري، رغم فوز السيسي بها وبفارق كبير.

وهذا ما يثير أيضا التساؤل حول شرعية هذه الانتخابات، فالمصريون لن ينسوا أنه فقط عبر الخداع والتلاعب رفعت نسبة المشاركة في الانتخابات. السيسي رسم آمالا عريضة، وتوقع أن تصل نسبة المشاركة إلى 80%، يضاف إلى ذلك أن وسائل الإعلام الحكومية ومسؤولي الدولة صرحوا ودون حياء، بدعمهم للسيسي، وخلقوا أجواء حماسية لصالح الجنرال.

أما المخالفون سياسيا لهذا التوجه، كالإخوان المسلمين، وكحركة 6 أبريل وغيرها من المجموعات الليبرالية والعلمانية، فتعرضوا قبل الانتخابات لقمع كبير، وصل إلى حد حظر تلك الحركات واعتقال أعضائها، بل وإصدار أحكام إعدام جماعية بحقهم.

شهادة وفاة
عندما يقول الإخوان المسلمون إن نسبة المشاركة المنخفضة تمثل "شهادة وفاة للانقلاب العسكري" ضد مرسي، فإن ذلك أمر منطقي، فقد دعوا إلى مقاطعة الانتخابات ويشعرون الآن بجدوى تلك الدعوة حتى وإن كانت أسباب عزوف كثير من المصريين عن الانتخاب غير معروفة على وجه اليقين.

ولكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود توافق واسع مع أهداف جماعة الإخوان، إلا أنه يمكن تفسير ذلك العزوف على أنه تصويت بحجب الثقة ضد النظام، الذي يقيد الحريات وأيضا الكرامة الإنسانية، دون أن يكون قادرا على إظهار آفاق ذات مصداقية لتحقيق الانتعاش الاقتصادي المنشود. ولولا المساعدات المالية من دول الخليج، لكان الاقتصاد المصري قد انهار منذ فترة طويلة.

وبعد ثلاث سنوات من بداية "الربيع العربي" تقف مصر الآن مرة أخرى، مع رئيس منقوص الشرعية، تماما حيث كانت تقف قبل الإطاحة بمبارك، أي حالة شبه ديمقراطية تحت إشراف الجيش، الذي يؤمن مصالحه السياسية والاقتصادية، إذا لزم الأمر، عن طريق التدخلات والتلاعب والقمع.

ورغم أن هذا النظام يمنع ظهور نظام قمع إسلامي، تخشى منه الأقلية المسيحية وكذلك العديد من المسلمين المصريين. يعتمد نظام السيسي نفسه على نطاق واسع على القمع. بصيص الأمل الوحيد هو ما تكشف على هامش هذه الانتخابات، حيث ظهر أن القليل من المصريين مستعدون لدعم نظام كهذا. ولكن هذا يعني أيضا أن البلد الأكبر من حيث عدد السكان في العالم العربي لا تزال تنتظره أوقات صعبة قادمة.

المصدر : دويتشه فيلله