يعد الهجوم على منزل وزير الداخلية إحدى العمليات الأكثر دموية التي أوقعت خسائر بشرية بصفوف الأمن والجيش، رغم إعلان الجبال المحيطة بمدينة القصرين مناطق عسكرية وتكثيف المراقبة والتمشيط فيها لتعقب المسلحين الذين يخوضون حرب عصابات.

خميس بن بريك-تونس

أعاد المسلّحون المتحصنون في جبل الشعانبي في تونس خلط الأوراق بعد استهدافهم منزل وزير الداخلية لطفي بن جدو في عملية غير مسبوقة اعتبرها خبراء أمنيون أنها تهدف إلى ضرب معنويات المؤسسة الأمنية، وزرع الخوف في النفوس من سيناريوهات أكثر سوءا.

وشهدت مدينة القصرين وسط غربي تونس الثلاثاء هلعا في صفوف السكان بعد سماع صوت رصاص كثيف باتجاه منزل وزير الداخلية، مما أسفر عن سقوط أربعة قتلى من عناصر الأمن وجرح ثلاثة آخرين كانوا يحرسون المنزل قبل أن يفر المسلحون.

ويُعد الهجوم إحدى العمليات الأكثر دموية التي أوقعت خسائر بشرية في صفوف الأمن والجيش، رغم إعلان الجبال المحيطة بمدينة القصرين مناطق عسكرية وتكثيف المراقبة والتمشيط فيها لتعقب المسلحين الذين يخوضون حرب عصابات ويزرعون الألغام لحصد المزيد من الأرواح.

بن جدو، الذي كان بالعاصمة تونس لحظة وقوع الحادثة، انتقل أمس لمدينته القصرين وسط حماية مشددة لرفع معنويات الأمنيين الذين ظهر التجهم على وجوههم بعد "الضربة القاسية" التي جعلتهم يتذمرون من الافتقار للأسلحة والتجهيزات و"لإستراتيجية ناجعة" لمواجهة هؤلاء المسلحين.

 الشريف: الهجوم أظهر أخطاءً إستراتيجية للمؤسسة الأمنية (الجزيرة نت)

أخطاء إستراتيجية
وكان الناطق باسم وزارة الداخلية محمد علي العروي اعترف بوجود تقصير أمني في حراسة منزل الوزير وفي تمشيط تلك المنطقة، مؤكدا أنه ستتم مراجعة الخطة الأمنية والعمل الأمني، بينما أرجع بن جدو الحادث لوجود نوع من الارتخاء بعد تراجع المسلحين في الجبال.

الخبير الأمني مازن الشريف، رأى أنّ الهجوم وضع الإصبع على أخطاء إستراتيجية للمؤسسة الأمنية التي تفتقر إلى مخطط استشرافي في محاربة الإرهاب تتم صياغته بمشاركة الخبراء، ويأخذ بعين الاعتبار الجانب الاستخباراتي والأمني والتعليمي والتنموي.

ويضيف الشريف أن الهجوم المسلح -الذي جاء بعد نحو أسبوع من مقتل عسكريين في انفجار لغم بجبل الشعانبي- يدل على أنّ المسلحين الذين ينفذون عمليات أكثر جرأة ودموية داخل المدن لزرع الخوف في النفوس والبرهنة قادرون على الضرب بقوة في أي مكان دون أن تلحق بهم خسائر.

بدوره، يقول المختص في الجماعات الإسلامية علية العلاني إنّ الاعتداء الأخير كشف عن وجود فجوة أمنية كبيرة في التعاطي مع الجماعات المسلحة، ولاحظ أنّ المسلحين ظلوا يطلقون النار لحوالي نصف ساعة دون أن يجدوا صدا أمنيا أو أن يقع أحدهم في قبضة الأمن.

العلاني: الاعتداء كشف وجود فجوة أمنية كبيرة (الجزيرة نت)

استهداف وانتقام
وتابع في حديث للجزيرة نت أن هذه العملية عكست قدرة عالية للجماعات المتحصنة بجبل الشعانبي على اختراق أكثر المناطق المحصنة من قبل الجيش والأمن وتوجيه ضربة موجعة "تهدف بالأساس إلى الانتقام من الأمنيين وإحباط عزائمهم باستهداف وزير الداخلية وزرع الرعب في نفوسهم".

ومن الدلالات الأخرى التي استخلصها العلاني من هجوم المسلحين -الذين يحمل بعضهم الجنسية الجزائرية- أنهم أرادوا أن يبعثوا برسالة إلى التونسيين أنهم يستهدفون خيار الانتقال الديمقراطي والحيلولة دون وصول البلاد إلى الانتخابات مما يثير بالفعل توجس وقلق الأحزاب السياسية.

وبالنسبة إلى هذين المختصين، فإن ما يحدث في تونس له علاقة مباشرة بالاضطرابات في بلدان الثورات العربية وخصوصا في ليبيا، التي قال عنها الناطق باسم وزارة الداخلية إنها تضمّ جلّ عناصر تنظيم أنصار الشريعة المحظور وإنهم باتوا يهددون الأمن القومي التونسي.

ويقول الخبيران إنّ الاعتداء الأخير له علاقة بالعناصر المسلحة التي قُبض عليها بمدينة بنقردان جنوب البلاد الأسبوع الماضي متسللة من ليبيا للقيام بتفجيرات في تونس، مضيفا أن الهجوم يندرج أيضا ضمن المعركة التي يستعد لها تنظيم أنصار الشريعة في ليبيا بمساندة عناصر من نفس التنظيم في تونس.

وكان وزير الداخلية التونسي أشار إلى أن تنظيم أنصار الشريعة يسعى للانتقام منه بعد حظر أنشطته ومنع مؤتمره الثالث في القيروان (وسط) وتفكيك جهازه العسكري ومقتل واعتقال عدد من عناصره المشتبه في تورطهم باغتيال معارضين يساريين وملاحقة زعيم التيار أبو عياض التونسي.

المصدر : الجزيرة