بعد أن تصدّر اليمين المتطرف انتخابات أعضاء البرلمان الأوروبي في فرنسا بات طبيعيا أن يتراجع الزخم الحضاري والانفتاحي لباريس في المحافل الدولية، مما يعكس إخفاق اليسار الحاكم وضعف جاذبية اليمين المعتدل، وفق مراقبين.

الجزيرة نت-باريس

رأى محللون سياسيون أن تصدّر اليمين المتطرف انتخابات أعضاء البرلمان الأوروبي التي جرت أمس الأحد في فرنسا سيضعف ثقل باريس داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي ويلحق ضررا بصورتها في العالم.

واعتبر خبراء أن حصول حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف على ربع أصوات الناخبين يعد سابقة في التاريخ السياسي للبلاد، منوهين بأن تلك النتيجة تعكس إخفاق اليسار الحاكم وضعف جاذبية اليمين المعتدل الذي "تتخبط أبرز قياداته في فضائح الفساد".

كما ربط المحللون بين تقدم الحزب الذي تتزعمه مارين لوبين وتفاقم ما سموه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية في البلاد.

فارق واضح
ورأى المحلل السياسي سيلفان آتال أن تصدّر الجبهة الوطنية للانتخابات الأوروبية بفارق واضح على الأحزاب التقليدية يبدو مناقضا لمكانة فرنسا "التي لعبت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية مع ألمانيا دور القاطرة في المشروع الأوروبي".

آتال: تقدم الجبهة الوطنية سيضعف الدور الريادي لفرنسا في أوروبا (الجزيرة)

وأضاف أن الأوروبيين سيتساءلون فورا قائلين: هل ما زالت لدى الفرنسيين الرغبة في بناء البيت المشترك؟

وفي تصريح للجزيرة نت، اعتبر آتال أن تقدم الجبهة الوطنية سيضعف الدور الريادي لفرنسا في أوروبا ويجعل صوتها خافتا في مؤسسات القارة.

وأكد المحلل السياسي أن اليمين المتطرف استفاد مما سماه الأداء السيئ للحكومة الاشتراكية وعجزها عن رفع مستويات النمو وتقليص معدلات البطالة القياسية في البلاد.

وأشار إلى أن المعارضة اليمينية المعتدلة لم تكن جذابة بما فيه الكفاية بالنظر لفضائح الفساد والمحسوبية التي تلطخ سمعة أبرر زعمائها، حسب تعبيره.

ونوه آتال بأن إجماع النخبة السياسية التقليدية على المشروع الأوروبي ومجاراتها سياسات الاتحاد جعلا الجبهة الوطنية تنفرد بتبني خطاب نقدي إزاء نواقص التكتل القاري واختلالات عمل مؤسساته.

وأضاف أن عزوف أكثر من نصف الناخبين الفرنسيين عن المشاركة في الاقتراع صب في صالح اليمين المتطرف الذي تمكن من حشد مناصريه.

عبدي: صورة فرنسا ستتضرر من فوز حزب عنصري ومعادٍ للأجانب (الجزيرة)

حزب عنصري
من جانبه، أكد المحلل السياسي محمد عبدي أن صورة فرنسا -التي ظلت مرتبطة في أذهان الكثيرين عبر العالم بالانفتاح على الآخر والترويج لحقوق الإنسان- ستتضرر "من فوز حزب عنصري ومعادٍ للأجانب".

وأشار عبدي -وهو ناشط سابق في أوساط اليسار الفرنسي- إلى أنه يمكن للبعض أن يواسي نفسه بالقول إن حصول اليمين المتطرف على أكثر من عشرين مقعدا في البرلمان الأوروبي  بدل ثلاثة في الولاية التشريعية السابقة لن يغير الموازين السياسية داخل تلك المؤسسة التي "ستظل تحت سيطرة الأحزاب الأوروبية المعتدلة".

إلا أنه شدد -في معرض رده على سؤال للجزيرة نت- على أن هذا الخطاب لن يلغي حقيقة أن فرنسا لن يُنصت لها بعد اليوم بالجدية ذاتها التي كانت تصاحب حديث مسؤوليها داخل هيئات الاتحاد الأوروبي.

واعتبر الخبير السياسي أن الشعب الفرنسي ذا النزعة الثورية أراد قلب الطاولة في وجه طبقة سياسية تقليدية غارقة في قضاياها الداخلية ومنفصلة عن المجتمع وهمومه وعاجزة عن مواجهة أزمات اقتصادية وسياسية يتخبط فيها البلد.

أما الكاتب السياسي فرانسوا سيرجان فذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن ما حصل لا يمكن اختزاله في إخفاق الطبقة السياسية وحدها، منوها بأن صعود اليمين المتطرف يترجم أيضا فشلا النخب الإعلامية والفكرية والتربوية المحلية.

المصدر : الجزيرة