المآسي التي رأتها أنجلينا قبل أن تلوذ بمخيم القوات الدولية بجنوب السودان جعلتها تعتقد أن المصالحة الحقيقية لا يمكن التوصل إليها إلا عبر محاكمة القتلة والقصاص منهم.

أجوك عوض الله جابو-جوبا

فى إحدى زوايا مخيم القوات الدولية في جوبا بجنوب السودان "يونميس" انزوت أنجلينا تحدق بعيدا، لا تحدث أحدا ولا تفضل مخالطة من حولها في المعسكر رغم تشابه ظروف المعاناة.

هذه المرأة واحدة من المحتمين الذين لم يغادروا معسكر قوات الأمم المتحدة منذ لاذوا به عند انفجار أحداث ما اصطلح على تسميته بـ"المحاولة الانقلابية" منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي، على الرغم من دعوة الرئيس سلفاكير لمغادرة المعسكر عندما ظهرت بين قاطنيه حالات للإصابة بمرض الكوليرا.

وتروى مأساتها قائلة "أولئك الرجال قتلوا زوجي بعد أن هاجموا منزلنا، حيث أغناهم الوشم الذى يعلو وجهه عن التحقق من انتمائه، كانوا يحملون أسلحة ويبدو مظهرهم مرعبا وهم يستفسرون عن هوية كل من بالمنزل قبل أن يقتلوا أيضا ثلاثة من أقرباء زوجي أمامي".

ولكن أنجلينا نجت من الموت بأعجوبة، والفضل في ذلك كما تقول للجزيرة نت يكمن في تمكنها من الحديث بلغة إثنية معينة ادعت أنها تنتمي إليها.

وعند سؤالها عن مدى تقبلها لفكرة المصالحة الوطنية وتجاوز المرارات من أجل تعافى جسد الوطن، ثارت ثائرة أنجلينا وتساءلت بحدة "عن أيَ مصالحة تتحدثون وعن أيَ وطن ونحن سجناء في معسكر داخل وطننا بحماية أجنبية؟".

امرأة تبكى لفقد عزيز بسبب القتال (الجزيرة)

شرط المصالحة
وتعتبر أنجلينا أن مثول "القتلة" أمام المحاكمة ومعاقبتهم شرط لتحقيق المصالحة الوطنية، وتبرر ذلك بأنهم "اعتدوا علينا ونهبوا ممتلكاتنا واستولوا على منازلنا وشردونا وأفقدونا كل شيء حتى أرواح ذوينا".

وكان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قد دعا إلى إنشاء محاكم خاصة بمشاركة دولية للتحقيق فى التجاوزات التي ارتكبت بحق المدنيين. وهو ما يرحب به عضو الحزب الشيوعي لوشيانو باولو الذي قال إن محاكمة الجناة مهما كانت مقاماتهم يجب أن تسبق أي عملية للمصالحة، وذلك من أجل إزالة الرواسب والمرارات من النفوس.

وفي حديث مع الجزيرة نت، قال باولو إن الحديث عن مصالحة دون محاكمة المجرمين يشبه عملية خياطة لجروح دون تنظيفها، وهو ما يعني أن تتفاقم حالتها حتما.

في المقابل، فإن الناطق الرسمي باسم حكومة جوبا لا يبدو متحمسا للحديث عن محاكمات، ويقول للجزيرة نت إن الأولى هو اكتمال التحقيقات أولا فربما لا تنتهي بإدانة أحد. وأضاف مايكل مكوي أنه يفضل الانتظار لما ستوصي به لجنة تتولى بحث الأمر.

إبراهيم أوول: لا بد من الحساب ولكن..  (الجزيرة)

حساب وعقاب
والمثير أن نفس الرأي صدر عن قيادي بجماعة رياك مشار نائب الرئيس، حيث قال تنقو بيتر إن المحاكمات لن تكون حلا ناجعا في حالة جنوب السودان الذي مر بتجارب صعبة ولا بد من إزالة الخلافات وتجاوز المرارات من أجل تحقيق السلام.

وحول التساؤلات الملحة عن كيفية إجراء المصالحة في ظل المظالم والمرارات التي ترسبت في النفوس، يعتقد تنقو أن المحاكمات ستعقد الأمور أكثر مما تحلها وأن الأجدى هو نشر ثقافة السلام والتسامح بمساهمة ضرورية من رجال الدين في البلاد.

ومن جانبه، يرى المحلل السياسي إبراهيم أوول ضرورة أن تتم المصالحة الوطنية في جو صحي حتى تزول ترسبات الحرب الأخيرة بما شملته من فظائع ارتكبت على أساس الهوية بشكل لا يمكن تجاوزه أو السكوت عليه.

وقال أوول للجزيرة نت "هذه مرارات لابد من معالجة أسبابها للتعافي الاجتماعي عبر المحاسبة والعقاب، لكن المحاكم الوطنية غير مؤهلة لهذا للأسف لأن القوانين معيبة وناقصة، كما أن القضاء ليس بعيدا عن الصراعات الجارية.

المصدر : الجزيرة