واجه أهالي قرية بيت قاد إبان النكبة عام 1948 خيارين صعبين أحلاهما مر، فإما العيش داخل مخيمات اللجوء ومواجهة التشريد، وإما القبول بفكرة التوطين مقابل "كرت اللجوء". واستطاع أهل القرية خلال العقود الماضية مواجهة التوطين.

 
عاطف دغلس-بيت قاد-جنين

لم يحظ أي من اللاجئين الفلسطينيين إبان النكبة عام 1948 بما حظي به أهالي قرية بيت قاد الشمالية قضاء مدينة جنين شمال الضفة الغربية، ووجدوا أنفسهم منذ اللحظة الأولى للطرد والتهجير أمام خيارين أحلاهما مر، فإما العيش داخل مخيمات اللجوء ومواجهة التشريد، وإما القبول بفكرة التوطين مقابل "كرت اللجوء".

وما حصل عليه أهالي بيت قاد من "ميزات" لم يتح لغيرهم، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام وضع اقتصادي واجتماعي صعب يفرض عليهم القبول بما يمكنهم من العيش الكريم.

وكانت عائلة الحاج جمال شحادة واحدة من 13عائلة سكنت القرية بعد تهجير من قراها داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وتعود جذوره لقرية شركس قضاء حيفا، وتركت عائلته قريتها كحال كل الفلسطينيين آنذاك تحت زخ الرصاص ورعب المذابح والمجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية.

ويقول شحادة (76 عاما) إن تهجيرهم كان لقرية شويكة القريبة من طولكرم في بداية الأمر، ثم انتقل والده ومواطنون آخرون إلى قرية بيت قاد للعمل في الأراضي التي "ضمنوها" من الحكومة الأردنية في حينه ومساحتها تصل مائة دونم (الدونم= ألف متر مربع)، وهي أرض تروى بماء الأمطار.

جمال شحادة هجّر من بلده شركس وسكن بيت قاد (الجزيرة)

إغراءات التوطين
وبعد ضمان الأرض أصيب المحصول بالجفاف فتقدمت وكالة الغوث والحكومة الأردنية بعرض للأهالي تقدم لهم بموجبه الأرض وبذور العام بدلا من الضرر الذي أصابهم.

ويضيف شحادة أن الموضوع تطور لاحقا ليتبين أن هذا المشروع ليس لدعم المواطنين بقدر ما هو لـ"توطينهم"، إذ زاد العرض عن قطعة الأرض إلى دابة للحرث ومنزل مكون من غرفتين، إحداها للدابة، وبئر ماء وأدوات وعدّة للزراعة، وكان المقابل تسليم "كرت اللجوء".

وأمام خيارات مرة وحالة لجوء مزرية، لم يكن للمواطنين في بيت قاد سوى القبول بهذا العرض، فمعظمهم كان قد خرج دون مال وطعام من أرضه، وهجّر تحت وقع القصف والذبح الصهيوني.

ويشير شحادة إلى أن بطاقة اللجوء في حينه لم تكن لها أي أهمية إلا لاستلام المواد التموينية (المعونة) المقررة من وكالة غوث للاجئين، "وكانت مغمسة بطعم القهر والإذلال".

ويدرك الحاج شحادة وأهالي القرية أن بطاقة اللجوء لا تعني فقط المعونة التموينية "بقدر ما هي حق سياسي يثبت حقوقهم كلاجئين، ولهذا رفضوا استئجار الأرض من الحكومة لـ99 عاما لأن التأجير يحرمنا التمليك".

بيت قاد قرية لاجئة بالكامل ويبلغ عدد سكانها أكثر من
ألف نسمة لجزيرة)

خيارات مرة
وأدرك المواطنون في بيت قاد ومنذ البداية مآلات مشروع التوطين، ويقول سليمان علي زريقي إنه لم يكن أمامهم أي خيار لا سيما وأن حالتهم الاقتصادية سيئة وأن كثيرا منهم فقد عمله.

ويوضح زريقي أن مشاريع التوطين تولدت بأماكن ثلاثة آنذاك وهي بواد اليابس في الأردن، ومنطقة غور نعجة بالأغوار، وفي بيت قاد، و"لكن الأهالي أفشلوها بعدما تقدموا بشكاوى ضد وكالة الغوث حتى استردوا بطاقة اللجوء ثانية وعاد الاعتراف بنا كلاجئين لنا حقوق".

ويضيف أنهم ثبتوا حقهم بالأرض والدار في بيت قاد، كما أن حقهم بالعودة لبلدهم "زرعين" داخل فلسطين المحتلة عام 1948 مصون، خاصة وأنهم "لم يوقعوا على أي ورقة تشير ولو بكلمة لأي تنازل عنها".

ولم يعد أمام أهالي بيت قاد -الذين ارتفع تعدادهم من مائة نسمة إبان النكبة إلى ما يربو عن ألف حاليا- إلا أن يبقوا في غرفة واحدة، ولكنهم ظلوا في منازلهم القديمة حتى اللحظة ويقومون بين الفينة والأخرى بعلميات ترميم لها، كما يقول عضو المجلس البلدي محمد صلاح.

ويضيف أن مهمتهم كجهة مسؤولة تكمن في المحافظة على هذه المنازل لأنها "تعتبر شهادة حية على محاولات بائسة لتوطين اللاجئين وإسقاط حقهم في العودة".

المصدر : الجزيرة