سيأخذ مسار العدالة الانتقالية في تونس نفسا جديدا مع ميلاد هيئة الحقيقة والكرامة، التي يُنظر إليها على أنها آلية مصيرية في الكشف عن الانتهاكات السابقة ومحاسبة المسؤولين وجبر أضرار الضحايا قبل طي صفحة الماضي.

خميس بن بريك-تونس

بعد مرور أربعة أشهر من سنّ قانون العدالة الانتقالية في تونس، صادق المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان) أمس الاثنين على تشكيل "هيئة الحقيقة والكرامة" التي ستتولى رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وخلفه المخلوع زين العابدين بن علي، وتحديد مقترفيها وإحالتهم إلى العدالة وتعويض الضحايا.

وتمكن المجلس من تزكية أعضاء الهيئة الـ15 رغم أن كتلا نيابية وأحزابا اعترضت بقوّة على ترشيح بعض أعضاء من الهيئة، وأبدت أحزاب ومنظمات خشيتها من تسييس تلك الهيئة الحقيقة.

وقال القيادي في حزب المؤتمر سليم بن حميدان للجزيرة نت إن حزبه رفض التصديق على تركيبة الهيئة، و"لديه تحفظات على العضو خميس الشماري لأنه كان نائبا في برلمان نظام بن علي، وهذا مخالف للقانون".

ويمنع قانون العدالة الانتقالية المحدث لهيئة الحقيقة والكرامة أن يترشح لعضوية الهيئة من كان متحزبا أو تقلد منصبا بفترتي حكم بورقيبة وبن علي.

بن حميدان يحذر من تسرب عناصر من النظام السابق إلى الهيئة (الجزيرة)

ويرى بن حميدان أن تسرّب أشخاص من النظام السابق للهيئة "لا يمكن أن يساعدها على الكشف على الحقيقة كاملة"، مؤكدا أن الهدف من الهيئة "ليس الانتقام وإنما كشف الحقائق وتحديد المسؤوليات".

لكنّ القيادي في الحزب الجمهوري وعضو لجنة فرز الترشحات لهيئة الحقيقة رابح الخرايفي قال إن الكثير من الطعون التي فاقت الخمسين قدمت للجنة "دون أن تكون معللة بحجج قوية وإنما كانت مبنية على انطباعات شخصية بحق بعض الأعضاء".

دفاع وثقة
وأضاف أنه دافع شخصيا عن ترشح خميس الشماري بدعوى أنه كان نائبا عن حزب معارض في برلمان حكم بن علي عام 1993 قبل أن يتم انتزاع صفته النيابية وتتم ملاحقته بسبب آرائه التي انتقد فيها النظام السابق.

وأبدى الخرايفي ثقته في تركيبة الهيئة وقدرتها على "تفكيك منظومة الاستبداد ومحاسبة الجلادين"، رغم أنه يقرّ بوجود مخاطر من عودة المسؤولين السابقين للمشهد السياسي مما يشكل خطرا على مصير العدالة الانتقالية.

ورغم أن مهمتها محددة بأربع سنوات قابلة للتمديد سنة واحدة فإنّ الخرايفي يرى أنه بإمكان الهيئة أن "تنجز مهامها في الآجال إذا كانت لها منهجية عمل تسيطر على التاريخ السياسي لتونس وتوزع كبرى المظالم على مراحل محددة".

كمال عمار يدعو لتطهير مؤسستي القضاء والأمن (الجزيرة)

من جهته يرى عضو مجلس الشورى في حركة النهضة كمال عمار أنّ عمل الهيئة "سيكون معقدا في ظلّ الكم الكبير من المآسي التي وقعت بالبلاد"، مشددا على أهمية "إسنادها" من قبل منظمات المجتمع المدني حتى تنجح.

وحول تركيبة الهيئة قال عمار إن لجنة الفرز "انتقت أفضل الملفات رغم وجود احترازات حول بعض الأعضاء"، مؤكدا أن هناك أعضاء في العديد من الاختصاصات لديهم كفاءة ويتمتعون بالمصداقية لكشف الحقيقة وفتح أرشيف المظالم.

وعلى الرغم من ذلك أعرب القيادي بحركة النهضة عن مخاوفه من وجود دوائر أمنية وقضائية وإعلامية "محسوبة على الثورة المضادة وتسعى لتعطيل العدالة الانتقالية"، داعيا إلى تطهير مؤسستي القضاء والأمن وإصلاح الإعلام "لتفعيل المحاسبة".

مصاعب
أما عضو هيئة الحقيقة زهير مخلوف فيرى أن هناك الكثير من العقبات المحتملة أمام عمل اللجنة مثل "عدم تفاعل المنظومة السابقة مع الهيئة وبروز تجاذبات سياسية حول الهيئة وشحّ تمويلات صندوق الكرامة الذي سيخصص لتعويض الضحايا".

وأضاف أن "تركيبة الهيئة الحالية بعيدة عن التجاذبات رغم أنه يمكن أن تكون لبعض الأطراف ميول سياسية"، مؤكدا أنه لا يمكن لعضو أو عضوين أن يؤثرا في عمل هيئة بأكملها في ظل الأهداف المرسومة لها.

ويقول "سنسعى للقيام بدور كبير لتفكيك منظومة الاستبداد السابقة وفضح الانتهاكات الماضية بوقفة أعضاء الهيئة ومساندة المجتمع المدني".

يذكر أنه سيتم إحداث دوائر قضائية مختصة في قانون العدالة الانتقالية لمحاكمة المذنبين.

المصدر : الجزيرة