تعتبر بازارات إسطنبول من التقاليد العتيقة لهذه المدينة التي ورثتها من العهد البيزنطي، وأصبحت اليوم تقليدا شائعا يرمز في عدة لغات إلى أي سوق مفتوح أو ذي طابع شرقي.

 خليل مبروك-إسطنبول

تختلط أصوات الباعة في الأسواق الشعبية المنتشرة بمدينة إسطنبول التركية، تماماً كما تختلط بضاعتهم المعروضة بتنميقٍ بالغ الدقة، وكأنها رسم فسيفساء يحاكي جمال المدينة وتنوع ما فيها من صور الحياة.

وتعد الأسواق الشعبية (البازارات) من الملامح المميزة لمدينة إسطنبول التي تضم شوارعها وأحياؤها 358 بازاراً متنقلاً على مدار الأسبوع، منها 243 في المنطقة الأوروبية و115 في المنطقة الآسيوية، كما تشير معطيات غرفة التجار في المدينة.

ويحمل كل بازار في إسطنبول اسم المنطقة التي يقام بها في يومٍ ثابتٍ خلال الأسبوع، فمثلا يقام البازار في 43 منطقةً يوم الاثنين وفي 48 منطقة أخرى يوم الثلاثاء، وهكذا يبقى الحال على مدار الأسبوع، ولا يمنع إقامته إلا الظروف الشديدة الأهمية، وانشغال السكان بالمناسبات الكبرى كعيدي الفطر والأضحى.

ويقول المؤرخون إن البازارات نشاط تجاري قديم سبق العهد العثماني في إسطنبول، وعرفه السكان قبل فتح المدينة عام 1453، وكان يعرف في العهد البيزنطي باسم سوق الأحد.

محمد يبيع السمك في هذه الزاوية منذ 17 عاما، ومن قبله باع والده الخضراوات 40 سنة(الجزيرة)

من القسطنطينية إلى إسطنبول
يقول الخبير الاقتصادي محمود عربجي للجزيرة نت إن "الأتراك المسلمين حافظوا على هذا التقليد بعد فتح القسطنطينية (إسطنبول)، وأطلقوا عليه كلمة بازار التي تعني باللغة التركية يوم الأحد، بغض النظر عن الموعد المخصص لكل بازار".

ويمتد بازار الفاتح الذي يقام كل يوم أربعاء على مساحاتٍ واسعةٍ تغطي كافة الشوارع والأزقة في المكان الواقع في الشطر الأوروبي من إسطنبول، ويبدأ الازدحام فيه منذ ساعات الصباح، لكن الحركة التجارية تستمر بالتصاعد حتى حلول الظلام.

ويقول البائع محمد -وهو شاب في العشرينيات من عمره- أنه يتواجد على زاوية السمك الخاصة به كل يوم أربعاء منذ كان طفلاً في السابعة من عمره، مضيفاً أن بضاعته تتبدل وتتغير من أسبوع لآخر، لكن وجوده في هذا المكان كل يوم أربعاء ثابت لا يقبل التغيير منذ أكثر من 17 عاماً.

ويضيف أنه ورث المكان عن والده الذي كان يبيع الخضار في ذات الزاوية لأكثر من 40 عاماً، حتى صارت هذه الزاوية معروفة باسمه لدى بقية التجار الذين يحضرون بضائعهم بشاحناتٍ ضخمةٍ إلى البازار من مختلف المناطق في إسطنبول، لكنه وجد بيع الأسماك أكثر جدوى من الخضار، فغيّر مهنته دون أن يبدل موقع البيع.

وعند التنقل من زقاقٍ إلى آخر في بازار الفاتح، تتداخل المعروضات بنسقٍ جميل، فتتجاور زوايا الخضراوات مع الفاكهة والمنتجات الحيوانية من ألبان وعسل وبيض طازج، واللحوم والأسماك، وتتخللها زوايا أخرى تباع فيها المكسرات والفواكه المجففة والمخللات والملابس والبلاستيكيات وأدوات المنزل الصغيرة، دون أن يخلو المكان من زوايا خاصة تبيع أدوات التجميل والساعات والهدايا والعطور.

نجدت يبيع في البازار بيوم واحد ما يبيعه
في أسبوع في محله التجاري
 (الجزيرة نت)

متنفس اقتصادي
ويقصد أيوب ذو الخمسين عاماً هذا السوق بانتظام كل يوم أربعاء، ويقول إنه يجد فيه ضالته من مختلف الاحتياجات، مؤكداً أنه لا يشتري احتياجاته من خارج البازار الذي يوفر كل أغراض البيت من مأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ وأدوات.

ويشير محمود عربجي إلى أن هذا السوق يعد متنفساً اقتصادياً هاماً للباعة والزبائن على السواء، راداً الفضل في دوامه رغم انتشار الأسواق الحديثة و"المولات" التي تزدحم بها إسطنبول إلى وفرة البضاعة وتنوعها وانخفاض أسعارها مقارنة بما هو معروض خارج البازار.

ويؤكد بائع الملابس نجدت أنه يبني حساباته التجارية على ما يبيعه من بضاعةٍ في بازار الأربعاء، مشيراً إلى أنه يجني من هذا البازار أضعاف ما يجنيه من البيع في محله التجاري الواقع في شارع حرقاي شريف القريب خلال أسبوع.

ويوضح نجدت للجزيرة نت أن البازار يوفر فرصة جيدة لتحسين المبيعات للتجار حيث يستفيدون من الإعفاء الضريبي عن ما يعرض فيه من بضاعة, مما يمكنهم من تقديم تنزيلاتٍ أفضل على الأسعار للزبون.

ويشير عربجي إلى أن ذوي الدخل المحدود يلجؤون إلى إستراتيجيات شراءٍ خاصةٍ كالتوافد إلى السوق مع حلول المساء، حيث يبدأ الباعة بتخفيض الأسعار لضمان نفاذ البضائع وبيعها للمتسوقين.

كما يوفر السوق فرصةً كبيرةً للأيدي الباحثة عن العمل، إذ ينتشر فيه الحمالون الذين يكسبون عيشهم من نقل البضائع داخل الأزقة الضيقة إلى الشارع العام ومنه إلى السيارات أو إلى منازل مشتريها القريبة من المكان.

ويغتنم بعض أصحاب الحدائق والبساتين الصغيرة فرصة البازارات لتسويق منتجات أرضهم دون تحمل عناء فتح متاجر خاصة بهم.

ويبدو للمتجول في أيٍ من بازارات إسطنبول أنه يعيش قصيدةً لها إيقاعٌ موزونٌ، فلا تقول ختام أبياتها إلا مع ساعات الليل الأولى، بانتظار أن تعود الرواية إلى ذات المكان في ذات الموعد، ولكن.. بعد أسبوع.

المصدر : الجزيرة