فراس نموس


فوبيا ساحل عُمان، هو ما يُعبَّر به عما أصاب بعض الكتاب والمسؤولين إزاء مصطلح جغرافي تاريخي حمّلوه محامل تاريخية لا عيب فيها، لكنهم استدعوها دون وعي وحددت ردة فعلهم دون فعل.


الغضب البادي في مقال لكاتب سعودي ووزير دولة إماراتي كان وراءه عنوان فيلم بثته قناة الجزيرة الوثائقية، فانطلقا -ومن لحق بهما- يسبان الجزيرة وقطر دون تثبت أدناه مشاهدة الفيلم والتثبت من مصدره، ولو فعلوا لكفوا أنفسهم وقراءهم أزمة ذهنية عنوانها فوبيا العناوين السياسية.

 

مقال طارق الحميد في الشرق الأوسط

"ساحل عمان" فيلم وثائقي بث يوم الجمعة الماضي على قناة الجزيرة الوثائقية، وأعلنت القناة عن موعد بثه منذ شهر تقريبا.


وفي تقديمها له، قالت إنه فيلم يستكشف الشاطئ العُماني، ينطلق من أعماق البحر ليحط عند مدينتي صور ومسقط بقلعتها البرتغالية وأسواقها القديمة، ويلقي الضوء على العلاقة بين السكان والمكان الذي هيأ لدولة عُمان أن تكون مركزاً تجارياً بحرياً عبر التاريخ.


حملة منظمة

بيد أن "ساحل عمان" الوثائقي أثار حفيظة صحفيين ومغردين ومسؤولين من دولة الإمارات وكاتب سعودي، لأمر يبدو أنه لا علاقة له بمضمون الفيلم موضع الجدل.


وظهر أن العنوان كان كافيا لشن حملة ممنهجة في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الصحف على شبكة الجزيرة ودولة قطر. ولم يكلف الحانقون أنفسهم عناء مشاهدة الفيلم إذ لربما لو فعلوا لقضوا وقتا ممتعا وشيقا ومفيدا.


فالفيلم لم يتطرق إلى أية أمور سياسية البتة، وفحواه كلها عن حياة البحر والنواخذة الأشداء وقلاع الماضي تعانق الحاضر، دون أي حديث عن مصطلح سياسي أو جغرافي تاريخي يبدو أن مجرد الاقتراب منه يثير عش الدبابير.

 

قرقاش تساءل مع الحميد عما قال إنه تطاول من الجزيرة على الإمارات
أبرز من سقطوا في فخ العنوان من المسؤولين الإماراتيين، كان ذا الوزارتين (وزير الدولة للشؤون الخارجية ولشؤون المجلس الاتحادي) أنور قرقاش، الذي قال في تغريدة معتمدا على صحفي يبدو أنه لم يشاهد الفيلم "طارق الحميد في الشرق الأوسط يتساءل عن تطاول الجزيرة على الإمارات، ونحن نتساءل معه حول الأسباب التي تدفع بعدم طي صفحة الخلاف، أين المصلحة؟".


والمقال الذي جعل الوزير الإماراتي يتسرع في التغريد ويضم صوته لصوت كاتبه في الهجوم على الجزيرة، ويتساءل عن المصلحة في عدم طي صفحة الخلاف بين قطر وجيرانها، يبدو أن كاتبه لم يشاهد الفيلم على الإطلاق، وإنما تبدى له أن فرصة سنحت للهجوم على الجزيرة ودولة قطر، فأسرع لاقتناصها دون تثبت أو اطلاع أو التزام بأبجديات العمل الصحفي.


ولم يأل الحميد جهدا بمقاله المنشور يوم أمس الأحد بجريدة الشرق الأوسط في التشنيع على ما "أقدمت عليه الجزيرة بحق الإمارات العربية المتحدة" واصفا ذلك بأنه "عمل غير مسبوق خليجيا ولا يمكن تقبله أو تفهمه". وأطلق لمخيلته العنان وهو يتحدث عن الأخطار التي تحدق بدول الخليج بسبب تصرفات قطر واعتدائها على الإمارات، وأن ذلك بالتأكيد سينقل الموقف العُماني والكويتي من الحياد إلى محور الدول الخليجية الثلاث.


مطالبة بالاعتذار

هذا التسرع الذي ظهر في ثوب من التزييف دفع سفير قطر السابق بالولايات المتحدة ناصر آل خليفة في تغريدة لمطالبة الحميد وقرقاش وصحيفة الشرق الأوسط بالاعتذار، وأبدى استغرابه من أن يكتب صحفي في صحيفة مشهورة عن موضوع لا وجود له.

 

آل خليفة طالب قرقاش والحميد وجريدة الشرق الأوسط بالاعتذار
وانخرط في الجدل المحتدم في تويتر صحفيون ومغردون من قطر والإمارات، بعضهم يتهكم على تسرع الوزير الإماراتي الذي لقب بـ"المحنك" وبعضهم يعرب عن خوفه من سحب "أثاث سفارة الإمارات في قطر" وآخر يخشى أن يصدر بيان شجب واستنكار من الدولة للخارجية الإماراتية، ورابع يرجو من الإماراتيين أن يشاهدوا الفيلم لأنه لا يتعلق بهم نهائيا.

وبغض النظر عن حدة الجدل بين الطرفين، فإن من الضروري التذكير بما ختم به الحميد مقاله من أن الأوطان يعرف حقها العقلاء وليس المتهورون أو المغامرون، وأنه مهما بلغ الخلاف فلا بد أن يبقى خلاف فرسان، ولا فجور في الخصام.


وليت الحميد ألزم نفسه بخاتمة مقاله، إذن لوفر على نفسه وصحيفته وعلى ذي الوزارتين ومئات المغردين ومعهم عدد لا بأس به من المتصيدين، عناء الجدال وتزييف الوعي وإيغار الصدور.

المصدر : الجزيرة