عاطف دغلس-نابلس

على الرغم من قلّتها لم يكن ما صورته بعض الأعمال الدرامية من مشاهد عنف رافقت الفلسطينيين خلال نكبتهم ضربا من الخيال أو أمرا مبالغا فيه.
 
ومن تلك المشاهد عمليات القتل الجماعي ونحر الأمهات الحوامل على مرأى من الأهل والأطفال وتخلى بعضهن مكرهات وتحت وطأة الخوف والرعب عن أطفالهن الرضع وتركهم بعد ولادتهم "في حماية الله وبعيدا عن أيدي الأعداء من الصهاينة والإنجليز".

وتؤكد حكاية آمنة الشيخ صالح (76عاما) مع شقيقتها عليا حقيقة هذه الروايات والمشاهد، فعلى قارعة الطريق الواصل بين قرية أبو شوشة داخل فلسطين المحتلة عام 1948 وقرى اللجون وزلفة القريبة منها ولد حربي وولدت معه حكاية من حكايات النكبة، فأمه عليا كانت تعاني مخاضا عسيرا بينما كان القصف الصهيوني للقرية والقرى المحيطة في أوجه.

وتروي آمنة الشيخ صالح حكاية شقيقتها للجزيرة نت فتقول "إنها قصدت ووالدها وشقيقها الأصغر محمد شقيقتهم عليا في قرية أبو شوشة شمال فلسطين المحتلة لزيارتها قادمين من بلدتهم قيساريا قضاء حيفا".

ولادة من الخاصرة
وتضيف أن القرى الفلسطينية كانت هدفا لاعتداءات لعصابات شتيرن وهاغاناه وآرغون التي كانت تحاصرها نهارا وتقصفها ليلا حتى اقتحمتها وبدأت تنفذ جرائمها بقتل كل من تراه، وهم كانوا لا يزالون فيها.

حينها لم يكن أمام آمنة والعائلة سوى الفرار وبأي ثمن، ولا سيما أن زوج عليا ويدعى موسى الزامل كان قد انخرط في صفوف الثوار، وبالتالي فإن العقاب كان سيحل عليهم بشكل أعنف.

وتضيف آمنة "في الطريق وبعد ساعات من السير تحت زخ الرصاص والخوف جاء المخاض لعليا وحانت ساعة ولادتها، وكان لحالة الرعب أثرها عليها فقد أنجبت مولودها وألقت به أسفل الشجرة وانطلقت مسرعة حاملة آلامها معها".

اللاجئون يحلمون بالعودة إلى أرضهم 
  (الجزيرة)

ولم تكن آمنة لتصدق ما تعيشه لحظتها فحالة الخوف والاضطراب كانت مسيطرة، وتقول إنها وبعد سيرهم لمسافة ليست هينة سألت شقيقتها عن نجلها الذي لم "اسمع صوته مطلقا وكل ظني أنها تحمله"، فردت عليها بأنها تركته تحت الشجرة وأن هذا "أفضل من أن تراه يُقتل أمام عينيها".

وتقول: إنه لم يكن هناك أي مجال للوم أو العتاب في حينها، إذ عدت أدراجي طوال الطريق وأخذت الطفل "ودثرته بثوبي وركضت مسرعة".

وتضيف آمنة أن الحكاية أشبه "بمعجزة"، إذ كيف لشقيقتها أن تنجب بهذه السرعة وتترك طفلها وتمضي مسرعة "فهذا لم يكن ليحصل لولا أنها كانت ترى الموت مرة تلو أخرى كل يوم".

وتتابع أن شقيقتها عليا لم تصدق أني فعلت ما فعلته وأحضرت لها فلذة كبدها، وكانوا حينها وبعد مسير لساعات طويلة قد وصلوا إلى أول قرية وتدعى رمانة قضاء مدينة جنين شمال الضفة الغربية، و"هناك استقبلنا أهالي القرية وغسلوا الطفل وقدموا لنا طعاما".
 
وتقول آمنة "لم تعرف النسوة في قرية رمانة اسم الطفل، والحقيقة أنه لم يكن يحمل اسما فعلا، فقالوا إن اسمه جاء معه وأطلقوا عليه حربي فلم يكن أعظم من مشهد الحرب والدمار آنذاك، وهو الآن يعيش في الأردن وقبل سنوات قليلة توفيت عليا هناك.

عاشت آمنة وشقيقها ووالدها أشهرا طويلة بين الخيام والكهوف يبحثون عن بقية عائلتهم، وهو ذات الأمر بالنسبة لشقيقاتها وأمها اللواتي كن قد هجرن قيساريا تحت الخوف من المجهول والقتل بدم بارد.

وبعد مد وجزر التقت العائلة وتجمع شملها بمخيم العين بمدينة نابلس، لكن آمنة لا تزال تحلم باليوم الذي تعود فيه لأرضها ومنزلها الذي تركته "دون الوداع الأخير".

المصدر : الجزيرة