تكمن حكاية اللجوء بالنسبة للشيخ أحمد الحاج علي والأب يوسف سعادة في حبكة واحدة ومتقاربة، فكلاهما عاش أياما قاسية من التشريد والحرمان ويقيمان الآن بنابلس بالضفة الغربية التي التقيا بها عقب التهجير واكتملت حكايتهما على مقاعد الدراسة ولمّا تنتهِ بعد.

عاطف دغلس-نابلس

إلى حد كبير تتشابه حكاية التهجير التي عاشها الفلسطينيون، وهي ذاتها التي مر بها الشيخ أحمد الحاج علي والأب يوسف سعادة راعي كنيسة الروم الكاثوليك بنابلس، فمن حيفا كانت بداية النكبة وإليها سيظل الشوق والعشق.

وحكاية اللجوء بالنسبة لهما تكمن في حبكة واحدة ومتقاربة، فكلاهما عاش أياما قاسية من التشريد والحرمان ويقيمان الآن بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية التي التقيا فيها عقب التهجير واكتملت حكايتهما على مقاعد الدراسة ولمّا تنتهِ بعد.

وهُجّر الحاج علي من بلده قيساريا قضاء حيفا واستقر به المقام بعد رحلات العذاب في مخيم العين بمدينة نابلس عام 1948، لم يكن حينها يتجاوز سن التاسعة، ورغم ذلك فهو يعي تماما أحداثا كثيرة اختزل بعضها وتحدث بإسهاب عن أخرى.

يذكر أن مدينته أسقطها الانتداب البريطاني قبل غيرها وسلمها لليهود، لأنه رأى أن كفة النصر تميل لصالح الثائرين الفلسطينيين ضد اليهود.

الشيخ أحمد هجّر وعائلته من حيفا
ولا يزال يتجرع مرارة التهجير
(الجزيرة)

دور بريطانيا
ويؤكد أن النكبة لم تكن وليدة اللحظة، وأن الإنجليز أعدوا لها منذ وعد بلفور المشؤوم عام 1917 ودربوا اليهود وجهزوهم للمواجهة.

ويضيف "كنا نشاهد ذلك في أحد معسكرات التدريب للجيش الإنجليزي القريب من بلدتنا"، واليهود كانوا يرتدون "زي الكشافة" للتمويه خلال التدريب، وأقاموا آنفا معسكرا خاصا بهم يدعى "ستود يام" جنوب قيساريا أيضا، "وكنا كأطفال نجمع بقايا الرصاص والقنابل ونحرقها".

ويوافق الأب سعادة -وهو واحد من نحو خمسين ألف مسيحي تم تهجيرهم- على أن البريطانيين كانت لهم اليد الطولى في إسقاط فلسطين "وتقديمها لقمة سهلة لليهود".

ويقول الحاج علي إن الإنجليز دربوا اليهود وساعدوهم على شراء الأراضي وتهويد بعضها ولاحقوا الفلسطينيين وصادروا سلاحهم، "وكانوا يهدمون أي منزل يعثرون فيه على سلاح أو يعدموا صاحبه".

وارتكب الإنجليز كذلك مجازر ضد الفلسطينيين أيضا قبيل النكبة وليس فقط العصابات الصهيونية، مبينا أن مجزرة "الطنطورة" (القرية التي هجروا إليها بعد أن تركوا قريتهم قيساريا) قتل الإنجليز فيها نحو 250 شخصا "بالإعدام المباشر بإطلاق الرصاص عليهم".

خيانة الأهل
وإضافة إلى الإنجليز فقد طفت للسطح مشاهد الخيانة العربية على يد "جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي، إذ أوعز هذا الجيش للثوار بتسليم أسلحتهم والانضباط بصفوفه للجمهم عن مقاومة المحتل".

كما منع القاوقجي الجهاد وصادر أسلحة الثوار "وقبض من اليهود مائة ألف جنيه فلسطيني ثمنا لخيانته، وهو المبلغ الذي استطاع اليهود جمعه له"، يقول الحاج علي.

ويقول إن ضابطا عراقيا اعترف لهم بأنهم جاؤوا لحماية اليهود من الفلسطينيين، وحين طلبوا من فرقة مدفعية عراقية ضرب معسكر إسرائيلي أخبرتهم أن "مدى المدفع طويل، وأن عليهم الرجوع للوراء لإصابة الهدف ليتبين أن الرجوع كان للهروب".

ويتفق الحاج علي والأب سعادة على أن اليهود كانوا يسهلون عملية خروج الفلسطينيين، رغم الملاحقات على الطرق هنا وهناك.

الأب يوسف سعادة مهجّر من حيفا ويحن إليها (الجزيرة)

درب الشوك
وتجرع كلا الرجلين مأساة اللجوء إلى أن وصلا لمدينة نابلس، حيث المهجرون بكل مكان ولا مكان للسكن، فالمساجد والكنائس والمدارس عجت بهم، فاضطروا للسكن في الكهوف والخيام.

ويشير الحاج علي إلى أنهم وبكل مكان حطوا فيه قبيل الوصول لنابلس كانوا يعانون في الحصول على الطعام والشراب، وقد أعادوا الماء المستخدم للآبار لاستغلاله ثانية وأكلوا الحشائش، "وكثير شربوا البول واقتتلوا على الماء".

وظروف اللاجئين كانت قاسية بنابلس أيضا، يقول الأب سعادة، فلم يكن لديهم المال والطعام "وقضيت عدة سنوات بالمدرسة وأنا ببنطال واحد وحذاء مهترئ"، وهو الحال ذاته للحاج علي.

وداخل المدرسة التي أقيمت للاجئين بنابلس آنذاك تعرف سعادة على صديقه الحاج علي، وكان سعادة المسيحي الوحيد بين 1200 طالب مسلم.

وإن كانت الدراسة جمعت الصديقين لسنوات فحب الوطن لا يزال يجمعهما حتى اللحظة، فالعلاقة بينهما لم تنقطع، وكلما التقيا بمؤتمر أو ندوة جلسا بالقرب من بعضهما وأعادا ذكرى الوطن وذاكرته.

ولم تحل الصعوبات كلها دون أن يزورا مدينتهما حيفا عقب النكبة، ليجد الأب سعادة أن حي الهدار مسقط رأسه أصبح أثرا بعد عين، بينما صار اسم قيساريا "أور عكيفا" ويسكنها يهود من مختلف الأجناس بدلا من الحاج علي وأهل قريته.

المصدر : الجزيرة