سعي الحكومة التونسية لملاحقة الشباب العائدين من المشاركة في القتال الدائر بسوريا، بموجب قانون الإرهاب، دفع العديد من هؤلاء الشباب إلى رفض العودة خشية إلقاء القبض عليه، ليبقى الأهل بين الرغبة في عودة أبنائهم والخوف من اعتقالهم.

خميس بن بريك-تونس

يخشى المواطن التونسي محفوظ البلطي على مصير ابنه الوحيد زهير الذي سافر للقتال في سوريا قبل عام ونصف العام، ويرفض الآن العودة إلى تونس خوفا من ملاحقته من قبل السلطات بموجب قانون الإرهاب، في وقت تشن فيه وزارة الداخلية حملة لملاحقة المقاتلين العائدين، وتفكيك الشبكات التي تجندهم.

محفوظ -هذا الرجل الذي يتوجع على فراق ابنه الذي سافر فجأة لسوريا وعمره 21 عاما- يقول للجزيرة نت إن العمل بقانون الإرهاب في ملاحقة العائدين من سوريا أوصد أبواب الأمل أمام عودة الكثيرين إلى تونس، مؤكدا أن ابنه اتصل به مرات عديدة بالهاتف وأعلمه برفضه الرجوع خوفا من تعرضه للسجن.

ويقول إن ابنه "لم يكن يوما متعصبا دينيا أو مهووسا بالجهاد"، وحسب اعتقاده فإن ابنه سقط ضحية عملية "غسل دماغ" قادته إلى أن يسلك طريق الانضمام إلى المقاتلين التونسيين في سوريا، الذين توجهوا بالمئات عقب اندلاع الثورة السورية للمحاربة مع مقاتلي المعارضة ضد الجيش النظامي للرئيس بشار الأسد.

ورغم تواتر الحديث عن وجود جماعات متشددة تقف وراء استقطاب تونسيين للقتال في سوريا، يقول محفوظ إنه لا يملك أي خيط يكشف له هوية المتورطين في سفر ابنه الذي انقطع عن دراسته والتحق بالمعارك الطاحنة في سوريا، حيث تتحدث بعض الأنباء عن مقتل مقاتلين تونسيين.

محفوظ شعر بخيبة مما اعتبره
"لا مبالاة" من المسؤولين (الجزيرة)

تقاعس رسمي
وفي مسعى لدفع السلطات لمعالجة ملف التونسيين العالقين بسوريا، شارك مؤخرا محفوظ مع عائلات تونسية في وقفة أمام وزارة الخارجية، إلا أنه شعر بخيبة مما اعتبره "لا مبالاة" من المسؤولين، كما إنه يعيب -من جهة أخرى- قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا وإلقاء مصير التونسيين في المجهول، وفق قوله.

وحول رأيه في سبب كثرة سفر التونسيين للقتال في سوريا، يقول محفوظ للجزيرة نت إن الحريات التي أصبحت متاحة بعد الثورة التونسية مكنت العديد من الشباب التونسيين من السفر إلى سوريا، مشيرا إلى أن الكثير منهم استفادوا من إزالة القيود التي كانت مفروضة في النظام السابق على السفر.

ويقول محفوظ إن تراجع دور الأئمة في المساجد للإحاطة بالشباب المتعطش للدين نتيجة سياسة تجفيف المنابع التي انتهجها النظام السابق واستمرار غلق المساجد بعد أوقات الصلاة إلى الآن، جعل الشباب التونسي عرضة لمخاطر عمليات "غسل الأدمغة"، وهو ما يفسر -من وجهة نظره- استمرار توافد التونسيين على سوريا.

من جهة أخرى، يؤكد محمد إقبال بن رجب رئيس جمعية "إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج" تلقيه عشرات الاتصالات من عائلات سواء سافر أبناؤها للقتال في سوريا أو عادوا إلى تونس، مؤكدا للجزيرة نت أن سلطات بلاده لا تحرك ساكنا لإيقاف نزيف سفر الشباب لسوريا أو الإحاطة بالعائدين منهم.

بن رجب: شبكات لها تمويلات خارجية تنشط بهدف استقطاب مقاتلين لسوريا (الجزيرة)

شبكات
ويقول إنه على علم بأن هناك شبكات لها تمويلات خارجية تنشط إلى الآن في العديد من المناطق بهدف استقطاب مقاتلين في "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش)، مؤكدا أن هذه الشبكات تتقاضى مبالغ مالية ضخمة مقابل تسفير الشباب التونسي سواء بطريقة شرعية أو غير شرعية.

ويضيف أن المتهمين الرئيسيين في استقطاب مقاتلين تونسيين وإرسالهم لسوريا هم أئمة وشيوخ، يقول إنهم حرضوا على الجهاد في المساجد وفي وسائل الإعلام. وأكد أن بعض التونسيين العائدين من سوريا يرفضون الحديث عن الجهات التي جندتهم للقتال خوفا على مصيرهم ومصير عائلاتهم.

وتشنّ السلطات التونسية منذ تولي الحكومة الجديدة مهامها قبل ثلاثة أشهر حملة لاسترجاع سيطرتها على المساجد الواقعة تحت سطوة من يوصفون بالتشدد من المنتمين لتنظيم "أنصار الشريعة المحظور"، والذين تتهمهم أوساط معارضة بالتحريض على الجهاد في سوريا وإصدار فتاوى قتل معارضين العام الماضي.

وبالنسبة إلى تدخلات السلطات لمنع الشباب التونسي من السفر إلى سوريا، يقول المتحدث باسم وزارة الداخلية محمد علي العروي إن السلطات منعت الآلاف من الشباب التونسي من السفر إلى ليبيا أو تركيا، مضيفا أنها فككت مؤخرا ست شبكات متورطة في سفر التونسيين إلى سوريا.

ويضيف العروي للجزيرة نت إنه تم التحقيق مع الكثير من التونسيين العائدين من سوريا وتقديمهم إلى القضاء، لافتا إلى أن السلطات في نطاق عملها تقوم برصد ومتابعة تحركات التونسيين الذين يخططون للسفر لسوريا أو العائدين منهم إلى تونس.

المصدر : الجزيرة