بدل الاحتفاء بجهودهم، يواجه منظمو القوافل الإغاثية من تركيا إلى سوريا السجن والتعذيب والقتل في بعض الأحيان، لكن هذا الواقع المرير لم يقمع رغبة كثيرين في تلبية نداء النازحين والمنكوبين في العديد من قرى وبلدات سوريا التي يخنقها النظام.

خليل مبروك-إسطنبول

لن ينسى الشاب أسامة خالد أصوات رفاق السجن الذين كانوا يصرخون تحت التعذيب. لكنه لا يتذكر صورهم ولا وجوههم، فقد أمضى شهرا من الاعتقال معصوب العينيين معزولا في زنزانة انفرادية في سجن عسكري بريف الحسكة في سوريا.

بدأت الحكاية -كما يقول خالد  للجزيرة نت- عندما تلقى قاطرة مساعدات وتمكن من توزيع محتوياتها المكونة من 700 سلة غذائية على المحتاجين من الأيتام والأرامل والنازحين في مدينته القامشلي، لكن الثمن الذي دفعه لقاء ذلك كان كبيرا جدا.

اعتقل خالد وتعرض لأقسى أشكال التعذيب بغية إجباره على الاعتراف بمصدر المعونات التي قام بتوزيعها وكيفية نقلها وهوية من يساعدونه في إيصالها لمستحقيها.

ويضيف أنه كان يمضي حوالي عشرين ساعة في اليوم معلقا في الزنزانة، ويجبر على الوقوف لفترات طويلة، ويسمع صرخات بقية الأسرى الذين كانوا يتعرضون لأصناف أخرى من التعذيب.

مواصلة الجهود
تكللت جهود الوساطة المحلية وتدخلات المعارف والأقارب بالإفراج عن أسامة الذي غادر الأراضي السورية ليواصل العمل في مجال الإغاثة من إسطنبول.

لكن آخرين لم يكتب لهم نفس المصير ومن بينهم سوري آخر كان يقود شاحنة مساعدات إنسانية مقدمة من هيئة الإغاثة التركية، تعرضت للقصف من قبل طائرات النظام الجمعة الماضي بينما كانت في طريقها إلى مدينة حلب، فقتل السائق وجرح آخران كانا معه، واحترقت الشاحنة بكل ما فيها قبل أن تصل مواد الإغاثة إلى مستحقيها.

خالد: اعتقلت بعد توزيع مواد إغاثية وتعرضت لأقسى أشكال التعذيب (الجزيرة)

ولم يمنع القصف الذي تعرضت له الشاحنة منظمات الإغاثة من مواصلة أنشطتها على الأرض السورية، فقد أعلنت هيئة الإغاثة التركية أن هذا القصف لن يؤثر على جهودها في تقديم خدماتها للمواطنين السوريين في كل الظروف.

وأرسلت منظمة يد العون التركية في اليوم التالي للقصف قافلة مساعدات إلى سوريا تتكون من 37 شاحنةً محملةً بالمواد الغذائية والأدوية والبطانيات، إضافةً إلى 10 سيارات إسعاف.

وتتوالى الأنباء عن شاحنات وقوافل مساعدات تتحرك يوميا من داخل المحافظات التركية المختلفة لنقل الإغاثة إلى السوريين في مدنهم وقراهم.

اعتقال وتعذيب
ويروي رئيس جمعية النور مهدي داود قصصا حول معاناة سفراء الإغاثة أثناء نقلهم للمساعدات الإنسانية إلى داخل سوريا، مؤكدا أن بعضهم تعرض للقصف وإطلاق الرصاص، فيما أسر آخرون وعذبوا وأهينوا.

ويوضح داود أنه اعتقل مع اثنين من العاملين في هذا المجال أثناء نقلهم المساعدات إلى منطقة عفرين بسوريا.

ويؤكد للجزيرة نت أن من يعمل في مجال نقل المساعدات إلى الداخل السوري يكرس حياته لهذا الغرض، وهو يعلم حجم المصاعب التي قد يواجهها.

داود: سيرنا لسوريا بالأشهر الماضية 76 شاحنة محملة بالغذاء والدواء (الجزيرة)

ويقول داود إن أغلب جهد الجمعية ينصب على توجيه مساعدات الإغاثة إلى الداخل السوري، حيث سيرت منذ بداية هذا العام 76 شاحنةً محملةً بالغذاء والكسوة والدواء لتوزع على 15 مركزا أعدت لهذا الغرض هناك، وافتتح آخرها الأسبوع الماضي في قورين الواقعة بريف أريحا بمحافظة درعا.

ويشير داود إلى أن الإغاثة تجمع من المتبرعين وتنقل إلى مستودعات الجمعية حيث تفرز وتصنف، ثم ترحل إلى وجهتها داخل سوريا عبر الحدود في شاحنات يقودها عاملون في هذا المجال، ويستقبلها نشطاء يعملون مع الجمعية، ويقومون بتوزيعها على المحتاجين.

ويوضح ما يسميه "الإغاثة الإنتاجية" بالقول إنها تعتمد على منح السكان القدرة على إقامة مشاريع خاصة يعيلون أنفسهم من ريعها مثل مشروع الزيتون الذي تستثمر فيه الجمعية نحو 3000 شجرة زيتون يوزع ثمن إنتاجها على الأيتام.

أما الشاب حسين، فهو ناشط آخر يتنقل بين إسطنبول والداخل السوري مع قوافل تقل الغذاء والكساء والدواء للمحتاجين.

لم يسبق لحسين أن تعرض لأي مكروه في رحلاته الإنسانية، لكن الكثير من التفاصيل التي يسمعها عما يلاقيه زملاؤه من متاعب لم تدفعه للتفكير في التوقف عن هذا النشاط.

سمع حسين بوفاة أحد زملاء المهنة في قصف الجمعة الماضي وتأثر لهذا الخبر كثيرا، لكن ردة فعله تمثلت بالاستعداد لنقل المزيد من المعونات إلى سوريا.

المصدر : الجزيرة