بعد تنامي الكشف عن تورط عدة مسؤولين في عمليات فساد أنهكت اقتصاد البلاد، توقع مراقبون أن يخسر الحزب الحاكم في السودان قواعده الشعبية إذا لم تحصل ثورة تصحيحية داخله تقود لتغيير اللوائح والتخلص من بعض القيادات.

عماد عبد الهادي-الخرطوم

نقلت خمس قضايا ضد مسؤولين حكوميين بالسودان الحديث عن الفساد من السر إلى العلن، حيث تم توجيه نقد لاذع للحزب الحاكم كون أغلب من وجهت لهم أصابع الاتهام من قادته المعروفين.

ورغم ما ظلت تردده الحكومة من أنها ستعمل على مكافحة الفساد الذي "تسبب في هدم جزء كبير من أركان الدولة السودانية" فإن معارضين يرون أن منهجها في معالجة قضايا الفساد هو ما دفع بها للازدياد.

فالقضية الأولى أشارت إلى أن مسؤولين تمكنوا من بيع خط يمتلكه السودان بمطار هيثرو الذي يربط الخرطوم بالعاصمة البريطانية لندن، ويعتبر من أقدم وأهم الخطوط المربحة للخطوط الجوية السودانية.

وتم بيع خط هيثرو أثناء تولي الشريف أحمد عمر بدر وزير الاستثمار ووالي ولاية الجزيرة السابق رئاسة مجلس إدارة الخطوط الجوية السودانية.

أما القضية الثانية فتتعلق بتجاوزات مالية وفنية وقانونية أدت لإدخال بذور قمح فاسدة وغير مطابقة للمواصفات إلى البلاد وتوزيعها على مشروعي الجزيرة والرهد الزراعيين، مما أخرجهما من دائرة الإنتاج.

واتهم في القضية -التي بلغت قيمتها نحو عشرة ملايين يورو وأدت لفشل الموسم الزراعي عام 2008- عدد من المسؤولين الحكوميين، بينهم وزير الزراعة حينها عبد الحليم المتعافي قبل أن تبرئه إحدى المحاكم.

الساعوري: ملف الفساد وضع علامة استفهام بشأن مصداقية قيادة الحزب الحاكم (الجزيرة)

أما القضية الثالثة فهي حصول رئيس المحكمة الدستورية عبد الله أحمد عبد الله ووزير العدل السابق عبد الباسط سبدرات ووكيل وزارة العدل السابق عبد الدائم زمراوي على مبالغ مالية لتحكيمهم في نزاع بين الشركة السودانية للأقطان وإحدى الشركات الخاصة المملوكة لأحد مسؤولي شركة الأقطان نفسها.

 وأدى كشف تداول الأمر إلى استقالة رئيس المحكمة الدستورية قبل أن يأمر وزير العدل النائب العام باستعادة الأموال التي حصل عليها المحكمون، مع إعادة القضية للمحكمة من جديد.

اعتراف وتحلل
بينما تمثلت القضية الرابعة في استيلاء مسؤولين في مكتب والي ولاية الخرطوم عبد الرحمن الخضر على مليارات الجنيهات بطرق ملتوية قبل أن تقبل جهات عدلية تحللهم والعفو عنهم بعد استعادة ما اعترفوا به من مبالغ مالية.

لكن وزارة العدل تدخلت وأمرت بالقبض على المتحللين والسير في إجراءات المحاكمة بعدما أصبح أمر التحلل محل تندر وتهكم من العامة.

فيما تمثلت القضية الخامسة في نشر جريدة الصيحة المستقلة وثائق تتهم عصام الدين عبد القادر الزين وكيل وزارة العدل الحالي والمدير العام لمصلحة الأراضي السابق بالاستيلاء على أراضٍ سكنية واستثمارية قدرت قيمتها بنحو خمسة ملايين دولار.

ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة النيلين حسن الساعوري إن استمرار كشف ضلوع قياديي الحزب الحاكم في عمليات الفساد سيفقده التأييد السياسي الذي يحظى به حاليا.

ويرى أن استمرار حملة كشف الفساد في البلاد بالطريقة الحالية "يعني خروج المؤتمر الوطني من دائرة التنافس السياسي مستقبلا".

الطيب مصطفى:
الحزب الحاكم سيخسر تأييد قواعده لو أراد الاستمرار دون بتر أيادي من اتهموا بالفساد واستغلال النفوذ

ويقول للجزيرة نت إن محاكمة المفسدين من عدمها لن تمنع تخلي بعض أنصار الحزب الحاكم عن السير معه إلى الأمام، لأن استشراء الفساد أصبح حقيقة ماثلة للعيان.

ويؤكد أن عددا كبيرا من أنصار الوطني أبدوا استياء من الفساد الذي ضرب جزءا كبيرا من مؤسسات القطاع العام، مشيرا إلى أن الموضوع وضع علامة استفهام بشأن مصداقية قيادة الحزب السياسية.

ثورة تصحيحية
وتوقع خسارة الحزب قواعده إذا لم تحدث ثورة تصحيحية داخله تطيح بقياداته السياسية التي فشلت في كبح جماع المفسدين. 

أما الكاتب الصحفي الطيب مصطفى فتوقع خسارة سياسية كبيرة للحزب الحاكم "لو أراد الاستمرار دون بتر أيادي من اتهموا بالفساد واستغلال النفوذ".

وتوقع -في حديث للجزيرة نت- أن يواجه الحزب تحديات في إقناع المواطنين بأحقيته بحكم البلاد "بعدما اتضح أن الفساد المالي والإداري في الدولة أصبح أكبر مما كان يتصوره الناس".

لكنّ مصدرا بحزب المؤتمر الوطني الحاكم أكد أنهم ناقشوا كافة تداعيات ملف الفساد على مستقبلهم السياسي، وشدد على أن الحزب لا يسمح بحماية أي مفسد, واعتبر أن ما تتداوله وسائل الإعلام يرمي لتلطيخ سمعة قادة الحزب "وكأن هناك من خطط لهذه الحملة".

وقال للجزيرة نت عقب اجتماع لأمانة الإعلام بالحزب ضم رؤساء تحرير وبعض الكتاب أمس الثلاثاء إن نهج الوطني "هو النقاء والنظافة ومكافحة الفساد".

ومع تزايد حالة الغضب الشعبي، أعلنت هيئة المظالم السودانية في نشرة لها أمس الثلاثاء عن حملة تفتيش لمؤسسات الدولة لمحاربة الفساد ورفع المظالم.

المصدر : الجزيرة