تفيد اللجنة السورية لحقوق الإنسان بأن الجيش السوري قتل في الثمانينيات أكثر من أربعين ألفا بمدينة حماة، والذين كُتب لهم عمر جديد أو خسروا أحد أفراد عائلاتهم آنذاك، عادوا اليوم ليدفعوا من دماء أبنائهم ثمن ثورة المدينة ضد النظام.

سارة إبراهيم-حماة

بعد ساعات من الرعب وأصوات الرصاص الممزوجة بالصراخ، يقترب الصوت تدريجيا والأبواب تكسر، والأطفال متشبثون بأبيهم وأمهم، وفجأة يحين دورهم.. يُطرق الباب بعنف، يتساءل الأب بينه وبين نفسه: هل أفتح؟.

يطل الأب خائفا وهو يفتح الباب، فإذا بضابط وعدد من الجنود يقتحمون المنزل، يسألونه "أين سلاحك؟ أين تخفيه؟"، فيجيبهم ببساطة "أنا مدرس لا أملك سلاحا". وبعد أن يفتشوا المنزل بدقة ويخربوا محتوياته، يتوعد الضابط الرجل ويأمر جنوده باقتياده، لكن الطفل الأكبر يتشبث بقدم أبيه باكيا يتساءل عن المكان الذي سيقتادونه إليه.

تلك قصة أبو محمد في ثمانينيات القرن الماضي عندما حاصر الجيش السوري مدينة حماة وقتل من أهلها ما يزيد على أربعين ألفا، حسب اللجنة السورية لحقوق الإنسان.

جرح نازف
الضابط ترك أبو محمد حينها، ولعل منظر ابنه محمد أعاد إلى قلبه قليلا من الإنسانية. وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاما، وفي نفس المدينة، وفي مكان ليس ببعيد عن مسرح الجريمة الأول، يُعتقل محمد بنفس الطريقة التي كاد والده أن يعتقل بها، لكن هذه المرة لم يشفع له بكاء صغاره الثلاثة.

وفي حديث للجزيرة نت يشرح أبو محمد كيف نجا بسبب طفله الذي أصبح الآن أبا لثلاثة أطفال, لكنه لم ينجُ من الاعتقال، فأخذوه وأبعدوه عن عائلته، ولا يعلم عنه شيئا، "وكأن مأساة الماضي تتكرر، ولكن الفرق أن من اعتقلوا ولدي لم يرقّ قلبهم أمام صراخ وبكاء أطفاله الثلاثة".

ويتابع أبو محمد أنه كان على يقين بأن ما حصل في الماضي لم ينتهِ, وفي الوقت ذاته لم أتخيل أن حماة ستخرج عن بكرة أبيها في مليونية لم يشهد العالم لها مثيلا, بعدما عانته من نظام الأسد من مجازر لم تشهدها الإنسانية على مر العصور.

يعيد الزمان نفسه مع أم عبد الله، ويتكرر ما حصل لرجال عائلتها مع فلذة كبدها، ويزيد من آلامها، فبعد انطلاقة الثورة السورية قتلت قوات النظام أحد أبنائها، تقول إن ذنبه الوحيد أنه من أبناء مدينة حماة، واعتقل ابن آخر لا تدري شيئا عنه حتى اللحظة

رواية مؤلمة
أما أم عبد الله -إحدى السيدات اللواتي فقدن رجالا من عائلتها- فتروي عن مأساتها عام 1982 قائلة "كنا نائمين في منزلنا أنا وأولادي وزوجي، وفجأة عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل سمعنا أصوات إطلاق رصاص وقصف لأول مرة نسمعه في حياتنا".

وتضيف "خرجنا مع الجيران إلى الملاجئ وبقينا 11 يوما دون طعام أو شراب.. كنا نأكل الخبز اليابس الذي نطعمه للخيول, ومن ثم بدأ الجيش يُخرج الناس من الملاجئ والبيوت، ولدى خروجنا وجدنا جثثا في الأرض لأطفال ونساء.. اقتادونا إلى الغابة وأخذوا الرجال والشبان وجردوهم من ملابسهم ورموهم بالرصاص بشكل عشوائي".

وتتابع أم عبد الله بحرقة "من لم يمت منهم مباشرة اقتادوه في سيارات شحن كبيرة ولم نعد نعلم أي شيء عنهم.. زوجي وأخي وأقربائي معهم وحتى اللحظة هم في عداد المفقودين".

ويعيد الزمان نفسه مع أم عبد الله، ويتكرر ما حصل لرجال عائلتها مع فلذة كبدها، ويزيد من آلامها، فبعد انطلاقة الثورة السورية قتلت قوات النظام أحد أبنائها، تقول إن "ذنبه الوحيد أنه من أبناء مدينة حماة"، واعتقل ابن آخر لا تدري شيئا عنه حتى اللحظة.

وتختم أم عبد الله بحسرة "لا يمكنني وصف أو التعبير عن حزني وألمي على من فقدت، ولكني أسأل الله أن ينتقم من المجرمين شر انتقام".

المصدر : الجزيرة