يأتي سكان صعيد مصر في مقدمة الـ25 مليون مصري الذين يعيشون تحت خط الفقر، ويسبق هؤلاء جميعا أهالي قرية بهنموه بمحافظة بني سويف المصنفة أفقر قرية مصرية، حيث تغرق في ثالوث الفقر والجهل والمرض وتأمل في تحسن أوضاعها.

على بعد 135 كيلومترا جنوبي العاصمة المصرية القاهرة تقبع قرية بهنموه التي صنفها الصندوق الاجتماعي للتنمية في وقت سابق العام الحالي أفقر قرية في مصر.

ولا يحتاج الزائر إلى تلك القرية -التي تتبع مركز أهناسيا بمحافظة بني سويف إحدى محافظات الصعيد- إلى كثير بلاغة لوصف حالها وحال الآلاف من سكانها الذين يراود بعضهم الأمل في تحسن أوضاع القرية بعد فوز المشير عبد الفتاح السيسي المتوقع في الانتخابات الرئاسية المقبلة، لكن آخرين يشككون في رفع المعاناة عن قريتهم بعد تلك الانتخابات.

في منتصف النهار يخيم السكون على القرية، التي يصعب مرور سيارة في بعض أزقتها، فلا سيارات تتحرك، ولا سلع يتبادلها الناس الذين جلس بعضهم أمام بيوتهم الطينية المتهالكة في تلك القرية الأسيرة لثالوث المعاناة: الفقر والجهل والمرض.

واستند تقرير صندوق التنمية في تصنيفه لها أفقر قرية مصرية إلى تفشي البطالة، وانخفاض نسبة التعليم، وإصابة كثيرين من سكانها بالأمراض، واعتماد دخول أغلبهم على العمل اليدوي الموسمي في مجال الزراعة، وتراكم الديون الحكومية على كثيرين منهم.

فلاحون يأملون في السيسي وآخرون يشككون (الفرنسية)

وليس بين سكان بهنموه من يعمل قاضيا أو ضابط شرطة أو ضابط جيش أو طبيبا أو مهندسا أو مدرسا جامعيا، وليس في القرية طبيب مقيم أو سيارة إسعاف أو سيارة إطفاء.

واختيرت بهنموه وخمس قرى تجاورها أو قريبة منها في 2006 ضمن مشروع لتطوير القرى الأكثر فقرا تبناه جمال مبارك نجل الرئيس المصري المعزول حسني مبارك -عندما كان قياديا في الحزب الوطني الديمقراطي الذي حكم مصر قبل ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011- أثمر مشروع مدرسة ابتدائية وأخرى إعدادية، ووحدة صحية، وصرفا صحيا، ومبنى سكنيا.

بعد مبارك
وعن تلك التجربة، يقول سعد أحمد الذي يعمل موجها بوزارة التربية والتعليم وهو أحد عشرة موظفين حكوميين من سكان بهنموه، "بعد مبارك لم يحدث أي مشروع تنمية يمكن أن يوفر وظيفة لأحد من العاطلين، فدخول الناس هنا بسيطة وموسمية لأن معظمهم يعتمدون على العمل في الأرض الزراعية ومساحتها محدودة".

وتزيد مساحة الأرض الزراعية في بهنموه على 300 فدان، تملك أسرة واحدة نسبة كبيرة منها، وتتقاسم باقي الأسر ملكية حقول صغيرة المساحة، في حين لا تمتلك بعض الأسر أي حقول.

وقال أحمد "لا يوجد سوى مخبز واحد يحصل على كمية لا تكفي من الطحين الذي تدعمه الحكومة، لكن الفرد قد لا يحصل على ثلاثة أرغفة صغيرة في اليوم لا تسد جوعه".

ويشير أحمد إلى وجه آخر للمعاناة يتمثل في ظاهرة التسرب الدراسي في القرية، "فمن لديه خمسة أو ستة أطفال لا يستطيع أن يلحقهم بالمدرسة خاصة وأن همه هو توفير قوتهم اليومي".

أحمد يحيى:
أنا وأفراد أسرتي مدينون بـ180 ألف جنيه للبنك بدأت بـ40 ألف جنيه، عجزنا عن السداد، والقرض مستحق على خمسة أفدنة وثمانية قراريط وزعت بالميراث على خمسة رجال وامرأتين وزوجة، ولن نستطيع عمل حيازات زراعية للورثة إلا إذا سددنا القرض وحتى الأسمدة المدعومة من الحكومة لا نستطيع استلامها

ويوضح أن من يستأجر فدان أرض لزراعته يدفع إيجارا ستة آلاف جنيه سنويا (850 دولارا) و"بسبب ارتفاع تكاليف زراعة المحاصيل لن يجد عائدا في نهاية العام إلا إذا عمل بنفسه في الأرض، علما أن أجر العامل في اليوم يساوي 50 جنيها".

فقر وديون
وكثيرون من سكان بهنموه مدينون لبنك التنمية والائتمان الزراعي بجانب فقرهم. ويقول أحمد يحيى (32 عاما) وهو متزوج وله طفلان، "اضطر فلاحون كثيرون للاقتراض بفوائد عالية من البنك بسبب ارتفاع تكاليف زراعة المحاصيل واحتياجهم للإنفاق على أسرهم، ولما فشلوا تراكمت عليهم الديون".

ويضيف "أنا وأفراد أسرتي مدينون بـ180 ألف جنيه للبنك، بدأت بـ40 ألف جنيه، عجزنا عن السداد، والقرض مستحق على خمسة أفدنة وثمانية قراريط وزعت بالميراث على خمسة رجال وامرأتين وزوجة، ولن نستطيع عمل حيازات زراعية للورثة إلا إذا سددنا القرض، وحتى الأسمدة المدعومة من الحكومة لا نستطيع استلامها".

وعلى الرغم من ذلك يقول "نريد من الرئيس القادم وهو السيسي أن ينظر بعين الاهتمام للصعيد والتدهور الحاصل فيه".

وعلى النقيض من الآمال المعلقة، يقول عبد المجيد عبد العليم أحد فلاحي القرية "نحن خائفون من استمرار المشاكل كما هي بعد مجيء السيسي".
 
يذكر أن نحو 25 مليونا من سكان مصر يعشون تحت خط الفقر، وقال السيسي في تصريحات تلفزيونية قبل يومين ردا على سؤال عن الوقت الذي يعد به لحل مشاكل المصريين خلاله "المصريون والسيسي يعدون أنفسهم بأنه خلال عامين سوف تنتهي مشاكلهم".

المصدر : رويترز