لجوء على لجوء، هذه حال السوريين الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة بلادهم ليقيم بعضهم في مخيمات الفلسطينيين التي أقيمت في الأردن قبل عشرات السنين. العوز والحاجة عنوان اللجوء الدائم، ويبقى الحنين إلى حياة سابقة هاجس اللاجئ الذي يفرغ عليه الصبر.

محمد النجار-مخيم البقعة

على وقع الأزمة السورية المستمرة، لم تجد آلاف العائلات السورية مكانا للجوئها سوى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، الأمر الذي يرى فيه البعض إعادة إنتاج "لنكبة" جديدة للشعب السوري، مع الذكرى الـ66 للنكبة الفلسطينية.
 
وتشير سجلات جمعية المركز الإسلامي-فرع مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين إلى وجود 600 عائلة سورية تعيش في المخيم الذي يقطن فيه أكثر من 150 ألف لاجئ، إضافة إلى نحو 1200 عائلة سورية مسجلة لدى فرع الجمعية في عين الباشا المجاورة للمخيم.

وفي "مخيم حطين" التابع لمحافظة الزرقاء أكد رئيس الجمعية نصر الرملي وجود نحو 500 عائلة مسجلة لدى الجمعية في المخيم الذي يبلغ عدد سكانه أكثر من 80 ألف لاجئ فلسطيني. وتسجل فروع الجمعية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الـ13 آلاف العائلات السورية التي تكتظ بهم جنبات المخيمات.

رجل أمن أردني يدقق في هويات الداخلين والخارجين من المخيم (الجزيرة نت)
اضطرار
ويقول أبو ماهر (لاجئ سوري يعيش مع أربع من عائلات أبنائه يبلغ عددهم 19 فردا في بيت متواضع لا تتجاوز مساحته 100م2 في مخيم البقعة) إنه اضطر لترك حران العواميد في الغوطة الشرقية نتيجة القصف المستمر الذي دمر كل البلدة تقريبا.

وفي البيت المكون من أربع غرف تعيش عائلة أبو ماهر في غرفة، وعائلة ابنه ماهر في غرفة أخرى، كما تعيش عائلة ابن ثان له في غرفة ثالثة، إضافة إلى واحدة من بناته وهي مطلقة وتعيش في الغرفة الرابعة، أما بقية أبنائه فينامون في "الصالون".
 
ويتحدث الرجل الخمسيني عن فقدانه نجله الأكبر ماهر الذي كان منخرطا في القتال ضد قوات النظام السوري، ولا يخفي ألمه على تدمير بيته الذي كلفه "تحويشة العمر"، وينظر إلى صورة بيته التي يحتفظ بها على هاتفه النقال وقد تهدم جزء منه جراء القصف.

قبل قراره اللجوء مع عائلته وأبنائه، كان أبو ماهر يعمل سائق حافلة صغيرة أو "ميكرو" كما يسميه السوريون، ولا يزال يأمل أن يجده يوما عند العودة إلى بلاده.

ورغم ضيق مساحة البيت، عوضا عن ملاصقته للبيوت من كل ناحية -كبقية بيوت المخيم- فإن أبو ماهر يدفع أجرة تعتبر كبيرة في المخيم تبلغ 210 دولارات شهريا، يضاف إليها فواتير الكهرباء والماء التي يبلغ متوسطها 50 دولارا شهريا.

يقول أبو ماهر إن أكبر مشكلة تواجهه هي أجرة السكن التي يريد المؤجر أن يرفعها أيضا، مضيفا "نعيش في ظل ظروف إنسانية صعبة.. البيت مكتظ، ونعاني من كل شيء، وننتظر رحمة الله".

عائلة أبو علي من العائلات السورية
اللاجئة في مخيم البقعة (الجزيرة نت)

التسجيل
وفي مكان قريب أيضا تعيش عائلة أبو علي (لاجئ من الغوطة الشرقية أيضا) البالغ عدد أفرادها عشرة، ستة منهم أطفال، ثلاثة منتظمون على مقاعد الدراسة، والبقية خارج منظومة التعليم.

ويقول مسؤول ملف اللاجئين السوريين بجمعية المركز الإسلامي في البقعة عبد الله أبو شوك إن الجمعية "تساعد نحو 1500 عائلة من الأيتام واللاجئين الفلسطينيين الأكثر فقرا، وتم تسجيل 600 عائلة لدينا، و1200 عائلة في عين الباشا التي تم وقف تسجيل السوريين فيها، حيث تم الاعتذار لنحو 200 عائلة سورية بعد إغلاق باب التسجيل".

وأضاف أنه لا توجد أي مساعدات ثابتة تقدم للاجئين السوريين في مخيم البقعة أو أي مكان آخر، وكل ما قدمناه عبارة عن مساعدات طارئة جاء بها محسنون للاجئين السوريين في المخيم، منها معونة للشتاء تشمل أغطية وألبسة ومدافئ، إضافة إلى مبالغ مالية متقطعة، ويوضح "لكن المشكلة لدينا هي عدم وجود أي جهة ترعى اللاجئين السوريين وتغيثهم، مما يزيد من صعوبات الحياة عليهم".

مخيم الزعتري من خارج إحدى بواباته
(الجزيرة نت)

ارتفاع الإيجارات
ويلفت أبو شوك إلى مشكلات رافقت اللجوء السوري في مخيم البقعة، أبرزها ارتفاع أجور السكن في المخيم، عوضا عن مزاحمة اللاجئين السوريين لأبناء المخيم في العمل نظرا لقبولهم بأجور أقل أمام حاجتهم الماسة للعمل. وذكر أن دراسة حالة العائلات السورية أثبتت أن أكثر من عائلة سورية تسكن في المنزل الواحد الصغير أصلا.

وبينما رفضت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) تزويد الجزيرة نت بأي أرقام لعدد الطلبة السوريين في مدارسها، أكدت مصادر في الوكالة أن مئات الطلبة السوريين يدرسون في مدارسها بمخيم البقعة، وهو ذات الأمر بالنسبة لبقية مخيمات اللاجئين السوريين.

ورغم هذا العدد من الطلاب، تؤكد سجلات جمعية المركز الإسلامي أن نحو 60% من الأطفال السوريين الواجب التحاقهم بالدراسة لا يدرسون. ويرى مسؤولو الجمعية أن واجب المنظمات الدولية إنقاذ جيل سوري من الأمية، عوضا عن الحاجة لإغاثتهم العاجلة والمستمرة.

المصدر : الجزيرة