يبدو أن ما تمثله عائلة غاندي من رمزية في ذاكرة الكفاح الهندي ضد الاحتلال وما تجسده من معاني النبل في وجدان المحرومين، لن يسعفها في الانتخابات الحالية التي تتصدرها تيارات ترفض مشاركة التاريخ في إدارة الحاضر وصناعة المستقبل.

محمود العدم- نيودلهي


تبدو مهمة الشاب راهول غاندي (43 عاما) في الحفاظ على إرث العائلة وشعبيتها شبه مستحيلة خلال الانتخابات الجارية أمام سيل جارف من التحديات تجلى في اتهام رموز حزبه بالفساد والتسبب بانخفاض معدلات النمو، إضافة إلى أفول مرحلة كانت يسود فيها حكم العائلات.

وتمثّل إرث عائلة نهرو -التي اشتهرت فيما بعد بعائلة غاندي- في مكانتها المحورية في الهند منذ أوائل القرن العشرين، حيث قاد أشهر رجالاتها جواهر لال نهرو بالتعاون مع المهاتما غاندي نضال الشعب الهندي ضد الاحتلال البريطاني حتى نيل الاستقلال.

وتنحدر العائلة من ولاية كشمير أقصى شمال شبه الجزيرة الهندية، وهي عائلة غنية تنتمي إلى طبقة البراهمة وهي العليا في التنظيم الطبقي الهندوسي. وكان أسلاف العائلة مقربين من حكام المغول المسلمين، وقد منحوهم إقطاعات وقصورا في دلهي.

وسجل رجال العائلة مواقف مشرفة زمن الاستعمار الإنجليزي ورفضوا التعاون معه، وتم فصلهم من وظائفهم ومطاردتهم واعتقالهم، مما دفع جد نهرو إلي الهروب من دلهي خوفا على حياة عائلته من الإبادة من جانب الإنجليز، كما باع أبوه قصره لينفق على الكفاح ضد المستعمر وجعل من قصره الآخر مقرا لاجتماعات حزب المؤتمر.

مواجهة الاستعمار
شكلت مذبحة البنجاب عام 1919 -والتي راح ضحيتها نحو 1600 مواطن كانوا في اجتماع لحزب المؤتمر- منعطفا مهما في حياة جواهر لال نهرو حيث انخرط في حركة التحرر الوطني التي أسسها المهاتما غاندي في نفس العام وظل مرافقا له حتى إعلان الاستقلال 1947.

سونيا غاندي قادت حزب المؤتمر لانتصارين متتاليين عامي 2004 و2009 (الجزيرة)

ومع انخراطه في النضال أتيح له التعرف على الحياة البائسة للفلاحين في الريف، وهو ما عبر عنه بقوله إنه شعر بالخزي من حياة الدعة والرفاه التي كان يحياها حينما رأي مظاهر الفقر والمجاعة مما جعله يهتم بحالة الفلاحين الهنود الذين شكلوا بعد ذلك مفتاح قوته السياسية.

تدرج نهرو في المناصب داخل حزب المؤتمر حتى تولى رئاسته عام 1929 في حياة والده، ثم اختير رئيسا للحكومة الانتقالية التي شكلت بعد انسحاب الاحتلال وصار أول رئيس وزراء للهند المستقلة في 15 أغسطس/ آب 1947 وبقي في المنصب حتى وفاته عام 1964.

أنديرا غاندي
أما أنديرا غاندي فولدت عام 1917 وكانت وحيدة والديها وحظيت بمكانة كبيرة لديهما، وتزوجت عام 1942 من فيروز غاندي وحملت اسمه، وعرفت هي وأولادها وأحفادها بهذا الاسم وليس لذلك علاقة بالزعيم الهندي المهاتما غاندي.

درست أنديرا في بداية حياتها في جامعة الفيلسوف والأديب الهندي طاغور وتعلمت منه مباشرة، وتولت زعامة حزب المؤتمر بعد وفاة والدها بعامين، ثم رئاسة الوزراء عام 1966 واختارتها مجلة "تايم" الأميركية شخصية العام حينذاك، ووضعت صورتها على غلافها بالألوان وكتبت تحتها "الهند المضطربة بين يدي امرأة".

واستمرت في المنصب حتى عام 1977، ثم عادت للمرة الرابعة عام 1980 حتى تم اغتيالها على يد سيخي متطرف من حراسها عام 1984.

وخلفها في الحكم ابنها راجيف الذي استمر في المنصب حتى عام 1991، إلى أن تم اغتياله على يد ثوار التاميل انتقاما منه لإرساله قوات إلى سيرلانكا تأييدا للحكومة هناك.

بيريانكا غاندي (يمين) تقود حملات حزب  المؤتمر في عدة مناطق من الهند (الجزيرة)

بعد اغتيال راجيف تولت زوجته سونيا -وهي من أصل إيطالي- رئاسة الحزب ورفضت أن تتولى رئاسة الحكومة التي تم تشكيلها، وحقق الحزب بقيادتها انتصارين متتاليين في انتخابات عام 2004 و2009، وقاد حكومة حزبها الخبير الاقتصادي منموهان سينغ.

وقدمت العائلة سليلها راهول ليقود حملة الحزب في الانتخابات الحالية، كما ظهرت شقيقته بيريانكا وهي تقود حملات الحزب في عدة مناطق، وتولت الرد على عدد من الاتهامات من خصومها.

تراجع سياسي
 ويرى عدد من الصحفيين والمحللين -استطلعت الجزيرة نت آراءهم- أن حزب المؤتمر الذي تقوده عائلة غاندي لن يحقق نتائج مرضية في هذه الانتخابات، لكنه لن يخرج من الساحة السياسية، وستكون لديه فرصة لدعم حكومة ائتلافية فيما لو خسر منافسه اللدود حزب الشعب القومي الهندوسي.

وبالنسبة للعائلة، يقول الدكتور ظفر الإسلام خان إن هناك تقاليد تتعلق بمكانتها ودورها الوطني الذي مارسته في تاريخ الهند الحديث، إضافة إلى حسابات داخل الحزب لن تسمح لغير أفرادها بقيادته.

وكان مرشح المعارضة للانتخابات العامة عن حزب الشعب ناريندرا مودي قد تعرض مباشرة لعائلة غاندي. وقال أمام حشد كبير في أحد معاقلها "الوقت قد حان للتخلي عن هذه العائلة لإخفاقها في الوفاء بوعودها. خلال ستين عاما تم إهدار ثلاثة أجيال هنا. هذه العائلة دمرت أحلامكم. جئت لأحقق حلمكم".

المصدر : الجزيرة