حملت زيارة الرئيس الروسي بوتين إلى شبه جزيرة القرم دلالات متعددة، اختلف المراقبون والمحللون بشأن أبعادها. لكن، تجمع آراء أن الزيارة تحمل وجها إستراتيجيا يوجه رسائل إلى الغرب ملخصها أن روسيا قوية ولا تأبه بالعقوبات.

أشرف رشيد-موسكو

بعد حضوره العروض العسكرية التي نظمت بموسكو في ذكرى الانتصار على "ألمانيا النازية" أثارت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمدينة سيفاستوبل في شبه جزيرة القرم، وحضوره عرضا عسكريا مماثلا، الكثير من التساؤلات حول الرسائل التي تحملها الزيارة، وكذلك الحال بالنسبة للعروض العسكرية التي أظهرت روسيا من خلالها جانبا من قدراتها العسكرية والتسليحية.

وكان الرئيس الروسي قد حضر الاحتفالات بعيد النصر في "الميدان الأحمر" بموسكو، التي شارك فيها آلاف الجنود من مختلف الوحدات بالإضافة إلى تشكيلات من الآليات وقطع المدفعية ومنصات إطلاق صواريخ متنقلة، بالإضافة إلى صواريخ ومنظومات دفاع جوي متطورة تعرض لأول مرة، في حين حلقت طائرات مقاتلة ومروحية في الأجواء.

ويرى المحلل السياسي فكتور ميخين أن بوتين وجه "رسالة بليغة بالتوجه مباشرة لحضور الاحتفالات بالقرم، وهذا التصرف قد يراه البعض استفزازيا لكنه ضروري لقطع الأمل أمام من يراهنون على عودة القرم لأوكرانيا".

وقال ميخين للجزيرة نت "إن العرض كان استعراضا للقوة، لكن الاستعراض الأكبر المناورات التي أجريت في الثامن من مايو/أيار الحالي بمشاركة القوات النووية والغواصات النووية الإستراتيجية، وجرى خلالها إجراء تجارب إطلاق صاروخ عابر للقارات من طراز توبول.

 ميخين: روسيا تحذر الغرب كي لا يتمادى  (الجزيرة)

 كما أن إشراف رؤساء الدول الست الأعضاء في منظمة الأمن الجماعي (روسيا وبلاروسيا وكزاخستان وطاجكستان وأوزبكستان وأرمينيا وقرغيزيا) على هذه المناورات بعث برسالة مفادها أن علاقة روسيا بحلفائها متينة.

وأضاف أن روسيا أرادت أن تحذر الغرب كي لا يتمادى في استهدافها بالعقوبات وغيرها، وأن تحذر القيادة الأوكرانية "لكي لا تتجاوز الحدود في تأليب حلف الناتو ضدها، وتتوقف عن تأجيج مشاعر العداء ضدها كما ظهر واضحا في الدعاية الانتخابية، وفي التصريحات التي صدرت عن مرشحي الرئاسة الأوكرانية".

وقال ميخين إن التاريخ يظهر أن "الإمبراطوريات المتهاوية كانت تلجأ لافتعال الحروب لإطالة عمرها، وهذا بالضبط ما يحدث مع الولايات المتحدة التي خاضت في الأعوام العشرة الأخيرة حروبا في العراق وأفغانستان وليبيا واليمن، وها هي اليوم تغذي الاضطرابات في أوكرانيا، وبالتالي فإن استعراض القوة أمر ضروري لكبحها وتذكيرها بأن روسيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تملك سلاحا نوويا قادرا على محو أوروبا والولايات المتحدة عن وجه الأرض في أقل من نصف ساعة".
 
أما المؤرخ فكتور ميرونينكو فيرى أن توجه بوتين إلى القرم يحمل "دلالات مهمة " في مقدمتها أن القرم أرض روسية، وهي غير خاضعة للمساومة أو النقاش في أي حوارات مقبلة.

أسطول البحر الأسود
وقال ميرونينكو للجزيرة نت إن أسطول البحر الأسود بات يتمتع بأهمية خاصة تضاف إلى أهميته الإستراتيجية، ذلك أن موسكو تدرك أن تصريحات الزعماء الغربيين وتعهداتهم بأن الدرع الصاروخية تهدف لمواجهة الصواريخ الإيرانية ما هي إلا خديعة.

فكتور ميخين: الإمبراطوريات المتهاوية كانت تلجأ لافتعال الحروب لإطالة عمرها، وهذا بالضبط ما يحدث مع الولايات المتحدة التي خاضت في الأعوام العشرة الأخيرة حروبا في العراق وأفغانستان وليبيا واليمن، وها هي اليوم تغذي الاضطرابات في أوكرانيا

وأوضح أن السفن الحربية للناتو ستكون من الركائز الأساسية لنشر الدرع الصاروخية، وهذا يعطي أهمية إضافية لأسطول البحر الأسود في التصدي لتلك المنظومة.
 
وحول الظروف الإقليمية والدولية، قال ميرونينكو إن العالم يشهد أجواء غير مسبوقة من التوتر والاحتقان، ما يذكر بحقبة الحرب الباردة، لافتا إلى أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة وحدها على فرض الحلول بالقوة كما كان الحال في السنوات الماضية.

واعتبر أن هذا يدلل على عودة القطبية ولكن بصورة مختلفة، فلقد ظهرت قوتان جديدتان في العالم هما روسيا والصين. لكن هذه الأقطاب الثلاثة الرئيسية باتت تتبنى مبدأ السياسة البراغماتية الواقعية، في حين أنها جميعها يدرك أن القوة هي العنصر الأهم للتنافس.

من ناحية أخرى، لفت ميرونينكو إلى وجود عوامل تقلل من احتمالات حدوث مزيد من التصعيد، منها أن الولايات المتحدة وحليفتها أوروبا لم تتمكنا من التوصل لاتفاق على تشديد العقوبة أكثر على روسيا بسبب الاعتماد الأوروبي على موسكو.

وأشار إلى عامل آخر لم يكن موجودا في حقبة ما قبل الحرب العالمية الثانية وهو "العولمة" وهذا يعني أن المصالح باتت متشابكة بدرجة كبيرة تجعل الضرر شاملا لا يستثني أحدا.  

المصدر : الجزيرة