يعد البعض اللجوء إلى التحكيم القبلي آلية يمنية لها وقعها على الشعب اليمني بمختلف أطيافه، وأنها جزء من تقاليده وتكوينه الفكري، إلا أن هناك من يرى أن تبني الحكومة لهذا الأسلوب مع المتمردين يشجعهم على المضي في تحدي الدولة.

عبده عايش-صنعاء

أثار لجوء الرئيس اليمني الانتقالي عبد ربه منصور هادي إلى "التحكيم القبلي" لحل مشاكل الصراع مع أطراف وقوى مسلحة مثل جماعة الحوثي بالشمال وتحالف قبائل حضرموت بالجنوب، انتقادات في الساحة السياسية اليمنية.

وكان آخر لجوء للتحكيم من قبل هادي قد كرس لتسوية مقتل بعض مسلحي الحوثيين في مدخل مدينة عمران برصاص الجيش، نهاية مارس/آذار الماضي، أثناء محاولتهم اقتحام المدينة بدعوى إسقاط السلطة المحلية وتغيير مسؤوليها بالقوة.

واعتبر نشطاء باليمن أن سياسة "التحكيم" القبلي، تسيء إلى هيبة الدولة المناط بها فرض القانون ونزع سلاح الجماعات المسلحة، وفرض الأمن والاستقرار، وليس مراضاة الجماعات المتمردة.

ويعتقد مراقبون أن "التحكيم القبلي" من قبل الدولة يمثل رضوخا للجماعات المسلحة، ويعطيها الحق في أخذ التعويض المالي، بدل أن يكون الهدف هو وقف مواجهتها للدولة، والإقرار بعدوانها على مواقع حكومية وعسكرية.

وكان هادي قد "حكم" قبيلة "الحموم" بمحافظة حضرموت بسبب مقتل شيخها سعد بن حبريش، أثناء اشتباكات مع قوات أمنية في نقطة تفتيش بمدخل مدينة "سيئون" أواخر 2013.

ودفع هادي لمراضاة القبيلة مبلغ 2.2 مليار ريال يمني (نحو ستة ملايين دولار)، فضلا عن عشرين سيارة ذات دفع رباعي تبلغ قيمتها نحو مليون دولار.

غلاب يرى أن اللجوء للتحكيم ليس أمرا جديدا على اليمن (الجزيرة)

تجنب المواجهة
الرئيس هادي برّر حرصه على العمل بأسلوب "لجان الوساطة" والتحكيم القبلي مع الجماعات المسلحة، بسعيه "لتجنب المواجهات" ولتأكيد أن الدولة في العهد الجديد تفضل اللجوء إلى أسلوب الحوار وتجنّب إراقة الدماء في حل المشكلات".

وقال إن "الدولة اليمنية يمكن أن تصبر وتتوخى الحذر وتحرص على تجنب استخدام القوة، لأن الضحايا في النهاية هم يمنيون من أي طرف كانوا، كما أننا وصلنا إلى قناعة بأن حل المشكلات بالقوة أسلوب فاشل".

لكنه أكد في مقابلة صحفية نشرت الأسبوع الماضي أن "الدولة في النهاية لن تتخلى عن دورها في إرساء الأمن والاستقرار والسلام بالأسلوب المناسب".

وقال هادي إن "على الأطراف التي تملك السلاح أن تدرك أنها لا يمكن أن تكون أقوى من الدولة مهما تصورت أن الدولة في حالة ضعف"، وأضاف "سنتجنب بمقدار ما نستطيع اللجوء إلى القوة، ولكن على جماعات العنف أن تحذر من غضب الحليم".

إلى ذلك رأى الباحث السياسي نجيب غلاب أن سياسة التحكيم القبلي ليست جديدة، وهي نابعة من الظروف المحلية والعادات والتقاليد اليمنية، فهي آليات قريبة من الوعي العام ولها وظيفة إيجابية في تفكيك النزاعات بل إنها تنهيها في بعض الحالات.

برمان يعد التحكيم أسلوبا يؤدي إلى تشجيع التمرد (الجزيرة)

آليات عرفية
واعتبر غلاب في حديثه للجزيرة نت أن "الأزمات المتلاحقة والصراعات المحلية في ظل مخاضات سياسية مؤلمة لا يمكن فيها تطبيق القانون ولا فرض هيبة الدولة إلا بالشراكة مع المجتمع، وحتى في الأوضاع الطبيعية فإن المجتمع اليمني في بعض مناطقه القبلية يستجيب لعاداته أكثر، وأغلب القضايا في مناطق القبائل تحل بالعطايا والعادات والتقاليد".

وقال غلاب إن حادثتي التحكيم مع الحوثيين في عمران والقبائل في حضرموت استغلت ضد الرئيس هادي سياسيا ممن تعاملوا بهذه الآليات العرفية طيلة تاريخهم السياسي.

وأشار إلى أن الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، يعد مؤسس آلية التحكيم تحت قبة البرلمان، بينما كان الرئيس السابق علي عبد الله صالح لا يطفئ اعتراضات القبائل إلا بالعطايا وترضيتها ماليا.

في المقابل اعتبر الناشط الحقوقي والمحامي عبد الرحمن برمان أن "التحكيم القبلي يعني اعتراف الدولة بالخطأ تجاه الجماعات المسلحة، وهذا الأمر يضيع هيبة الدولة، ويعد خرقا للقانون.

وقال إنه "بدلا من تقديم الجماعة المسلحة للمحاكمة كونها ترتكب جرائم القتل ضد المواطنين والجنود والاعتداء على مواقع الجيش والأمن، تقدم الهبات المالية لها ولأفرادها".

وشدد برمان في حديث للجزيرة نت على أن "التحكيم الرئاسي للجماعات المسلحة الخارجة عن القانون يغري القتلة والمخربين، ويؤدي لارتكاب المزيد من الجرائم والإضرار بهيبة الدولة، خاصة بعد أن صارت العقوبة مهدرة، واستبدل بها التحكيم القبلي ودفع المال".

وأشار برمان إلى أن مسلحي قبائل حضرموت قاموا بعمليات اعتداء على مواقع الجيش والأمن وقتلوا العشرات من الجنود، كما حاصروا مواقع شركات إنتاج النفط، وأضروا بالاقتصاد الوطني، وبدلا من معاقبتهم يجري تقديم المال لهم.

المصدر : الجزيرة