أصبح من المعتاد في أعقاب أي حادث في مصر منذ الانقلاب العسكري أن تُحمّل أجهزة الدولة المختلفة المسؤولية لجماعة الإخوان المسلمين، فبعد ساعات من الاشتباكات القبلية الدامية بأسوان اتهم المتحدث العسكري الجماعة بالوقوف وراء الاشتباكات، بينما نفت الجماعة ذلك.

الجزيرة نت-أسوان

لا تزال الآراء متضاربة حتى الآن بشأن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى اندلاع أعمال العنف بين قبيلتي الدابودية والهلايل بمحافظة أسوان جنوب مصر، والتي أوقعت عشرات القتلى والجرحى وخلفت حالة من الفوضى في المدينة التي طالما اتسمت بالهدوء.

ويرجع غالبية أبناء المحافظة -بمن فيهم أطراف النزاع- الأزمة إلى خلافات عادية، وإن تضاربت الأقوال بشأن أسبابها، إلا أن المؤكد أن السياسة لم يكن لها دور يُذكر في نشوب الاشتباكات.

مسؤولية الدولة
وبينما حمل طرفا النزاع والأهالي المسؤولية الأكبر للدولة منتقدين ما سموه "التقاعس الأمني" وعدم التدخل السريع لوقف الاشتباكات، حملت الحكومة المسؤولية لجماعة الإخوان المسلمين قائلة إنها "أججت الخلاف بين الطرفين".

من جهته، وصف التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب اتهامات الدولة للإخوان بأنها محاولات "لتشويه المعارضة". واتهم -في بيان- السلطة بتبني ما سماها "المساعي التقسيمية" في النوبة مطالبا بمحاسبة المقصرين.

وتبنت وسائل إعلام موالية للسلطة الرواية الرسمية، وتناولت الأزمة على أنها جزء من "الإرهاب الذي تمارسه جماعة الإخوان منذ عزل الرئيس محمد مرسي في يوليو/تموز الماضي، متجاهلة الانتقادات الحادة والاتهام بالتخاذل -وأحيانا التواطؤ- الذي وجهه الطرفان للسلطة بصفة عامة وأجهزة الأمن بصفة خاصة.

وتكاد شوارع أسوان تخلو تمامًا من الشعارات السياسية، كما أن سكان المدينة التي تعتمد السياحة مصدرًا رئيسيًا للدخل، يقولون إن الأسوانيين "لا تحركهم جماعة الإخوان، كما أنهم لم يندموا على رحيل مرسي الذي حارب السياحة وسعى إلى هدم الحضارة التي كان يعتبرها أصنامًا" وفق جمال الدابودي.

وأضاف "كنا نثق في السيسي إلى حد كبير، أما الآن فقد فقدنا الثقة في الجميع بعد أن تاجروا بأرواحنا وأعراض نسائنا".

ويؤكد الناشط منتصر النوبي أن الدولة "تمارس قمعًا ماديًا ومعنويا للنوبيين، وتسعى إلى تهميشهم، وفرض سيطرت الموالين لها عليهم من خلال تبني رواية مجافية للواقع".

الاشتباكات أودت بحياة نحو ثلاثين شخصا (الجزيرة)

تجاهل الحقيقة
ويضيف النوبي للجزيرة نت أن إصرار السلطة على تجاهل الأسباب الحقيقية للخلاف "سيفاقم الأزمة، ويعرض المدينة بأكملها إلى موجة من العنف، قد يصعب السيطرة عليها".

وأشار إلى أن الشرطة ألقت بالمسؤولية على أطراف سياسية "للتعتيم على انحيازها لتجار السلاح ومروجي المخدرات والبلطجية وحمايتها لهم".

وأوضح أن اللقاءات التي تنظمها الأجهزة الأمنية والسياسية للتوصل إلى صلح بين الطرفين لن تفضي إلى حل حقيقي، لأنها تعتمد في الأساس على مجموعة من المخبرين والمرشدين السريين الذين تسميهم الحكومة مشايخ القبائل.

وأعلنت أطراف مختلفة رفضها للتعامل الحكومي مع الأزمة، وإصرار الجيش والشرطة على تحميل الإخوان مسؤولية ما حدث.

وأكد نقابيون وبرلمانيون سابقون ينتمون لأحزاب يسارية أن التقصير الحكومي والغياب الأمني هما سببا الأزمة.

أطراف الصراع حملت الدولة
مسؤولية الأحداث (الجزيرة)

بعيدا عن السياسة
ونفى اتحاد مدارس أسوان -في بيان- وجود ارتباط بين السياسة والأزمة، التي بدأت بمشاجرة بين عدد من طلاب مدرسة الصنايع الميكانيكية، كما اتهم البرلماني اليساري السابق هلال الدندراوي الشرطة بأنها المتسبب الرئيسي فيما حدث.

ورغم اتهامات النوبيين لأجهزة الأمن بالانحياز للهلايل والدفاع عنهم، فإن أحدًا من الهلايل لم يدافع عن الشرطة أو يثني على دورها في الأزمة الأخيرة بل إن أغلبهم حملها مسؤولية الدماء التي أريقت.

وأبدى حمدي حجاج (أحد ممثلي الهلايل) استياءه من التعامل الرسمي مع الأزمة، مؤكدًا أن السياسة لا دخل لها بما جرى.

وانتقد -في حديثه مع الجزيرة نت- الأداء الأمني والإعلامي، وطالب بنقل الحقيقة والعمل جديًا على إنهاء الأزمة بدلا من استغلالها في أغراض سياسية، على حد قوله.

وحذر حجاج من اندلاع موجة عنف غير مسبوقة "إذا لم تقم الدولة بدورها في جمع الأسلحة وفرض الأمن وضبط الخارجين على القانون ومعاقبتهم".

لكنه لم يتهم أي طرف سياسي بإشعال الأزمة قائلا "أنا لست جهة اتهام وليست لدي معلومات، الدولة هي التي يجب أن توجه الاتهامات بناء على أدلة مقبولة".

وتجدر الإشارة إلى أن وزير الدفاع المستقيل عبد الفتاح السيسي قد زار أسوان قبيل بدء الاشتباكات، والتقى وفدًا عن النوبيين للحصول على تأييدهم بانتخابات الرئاسة المزمع إجراؤها في مايو/أيار المقبل.

المصدر : الجزيرة