نزح كثيرون من سكان داريّا باتجاه مناطق أكثر أمناً وهم لا يحملون سوى ملابسهم. وتكبر معاناة سكان المنطقة مع اعتقال أبنائهم في مداهمات شملت المنطقة، دون أن يستطيعوا السؤال عن مصير أبنائهم.

علاء الدين عرنوس-دمشق

يعيش أغلب النازحين من سكان داريّا ظروفاً معيشية صعبة حيث يتعرض المدنيون بشكلٍ شبه يومي لانتهاكات تنال من كرامتهم وحقوقهم الأساسية، ونظراً لجملة من الأسباب فإن أوضاعهم تسير نحو مزيد من التفاقم في ظل تجاهل جميع الأطراف مسؤولياتهم تجاه عشرين ألف أسرة.

في مطلع سبتمبر/أيلول 2012 شهدت مدينة داريّا (6 كلم جنوب دمشق) نزوحاً سكانياً كبيراً إثر اقتحام القوات النظامية المدينة وارتكابها مجازر إبادة جماعية بحق 500 مدني على الأقل، قبل أن تخلو المدينة من غالبية سكانها (220 ألفاً) إثر اندلاع المواجهات بين القوات الحكومية والجيش الحر المستمرة حتى اليوم.

نزح الكثيرون من سكان داريّا باتجاه مناطق أكثر أمناً وهم لا يحملون سوى ملابسهم، كما هو الحال مع الحاج حاتم (61 عاماً) الذي يعيش مع أبنائه وأحفاده في شقة صغيرة غير معدة للسكن لا تتجاوز مساحتها مائة متر بأجرٍ شهري غير منتظم يبلغ حدود الثلاثين ألف ليرة (200 دولار تقريباً) تبعاً لاستهلاك الماء والكهرباء.

وتكبر معاناة هذا الرجل مع اعتقال أحد أبنائه الثلاثة في حملة مداهمات شملت المنطقة، دون أن يستطيع السؤال عن مصير ابنه الغائب منذ مطلع يوليو/تموز الماضي.

يتألم الحاج حاتم وهو يداعب حفيده ذا الأربع سنوات قائلا "لا يكف حفيدي عن السؤال عن أبيه الغائب منذ تسعة أشهر، منذ أن اعتقلت قوة أمنية عشرات الأشخاص في المنطقة"، تدمع عينا الحاج حاتم ويضيف "لا نجرؤ على مراجعة الدوائر الأمنية، في هذه المحنة لا نملك إلا الصبر والدعاء".

معاناة مستمرة
ويضيف الحاج حاتم للجزيرة نت أن العديد من أسر داريا تتفادى المرور بالحواجز المنتشرة في دمشق ومحيطها تخوفاً من الاعتقال التعسفي الذي غالباً ما يتم على أساس مناطقي، مشيرا إلى أن المئات من شباب المدينة اعتقلوا لمجرد أنهم من داريا.

ورداً على سؤال عما إذا تلقت أسرته معونةً اجتماعية أو مساعداتٍ عينية، يجيب مستنكراً بأنه لم يحصل إلا على سلتين غذائيتين خلال فترة السنة لأسرته المكونة من 13 فرداً، متهماً القائمين على مسؤوليات الإغاثة بسرقة مستحقات العائلات المنكوبة.

في بلدةٍ أخرى جنوب دمشق تتخذ أسرة دارانية مكونة من أم وخمسة أبناء مخزناً تجارياً للسكن، لا تتجاوز مساحته الخمسين متراً تقتصر ملحقاته على صنبور ومصرف للمياه وتنعدم فيه وسائل التهوية.

ترفض السيدة الأرملة أن نصور المكان، وتعرض من هاتفها المحمول صورةً حديثة لمنزلها المدمر في داريا وصلتها عن طريق أحد المحاصرين داخل المدينة، قبل أن تستعجلنا بالمغادرة خوفاً من "عيون الشبيحة المنتشرة في كل مكان".

معونات غذائية للنازحين
تباع في السوق السوداء (الجزيرة)

صعوبات وعوائق
الرعاية الاجتماعية لآلاف الأسر النازحة باتجاه دمشق تكاد تكون شبه معدومة، فالمؤسسات الأهلية والجمعيات الخيرية التي تعمل تحت سلطة النظام متهمة بازدواجيتها في إعانة المنكوبين، حيث تنحصر على الأشخاص المستفيدين من النظام وأسر قتلى الجيش النظامي، مع استمرار السلطات السورية في تقييد حركة الصليب الأحمر الدولي والمنظمات الأممية ومنعها من أي دور في تقديم أو تسهيل المعونات ما لم تتم عن طريق السلطات نفسها ووفق شروطها.

وتتفاقم المشكلة مع الجمعيات الناشطة التابعة للثورة حين يتعلق الأمر بإعانة المنكوبين داخل مناطق سيطرة النظام، وتنحسر أغلب أنشطتها في المناطق المحررة لتستفيد منها قلة قليلة فيما يحرم الجزء الأكبر من هذا الحق.

بيع المعونات
يقول الناشط أبو أحمد الداراني في اتصال مع الجزيرة نت إن السلطات السورية صادرت آلاف المواد الغذائية والطبية، مشيراً إلى تعمد النظام تجويع معارضيه بمختلف الطرق والوسائل.

وعن مصير هذه المواد يقول أبو أحمد إن النظام يلجأ إلى توزيعها لمناصريه وإعطائها لعناصره، مؤكداً أنه لاحظ في الأسواق بضاعةً مخصصة لإعانة اللاجئين، لجأ النظام إلى بيعها عبر قنوات تجار السوق السوداء.

في حي المزة بدمشق تمكنت الجزيرة نت من رصد صناديق داخل أحد المحال التجارية تعود للصليب الأحمر الألماني، وفي الحي الشرقي في معضمية الشام ذي الغالبية المؤيدة رصدت كميات من السكر والسباغيتي المصري المستورد عن طريق وكالة الأمم المتحدة للإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

وتزداد المخاوف مع دخول الأزمة بسوريا عامها الرابع مترافقة مع تقليص حجم السلل المعيارية للأشخاص الجائعين داخل مناطق سوريا والتي تقدر أعدادهم بـ4.1 ملايين وفق ما أعلنه مدير برنامج الأغذية للأم المتحدة مبرراً ذلك بنقص أموال المانحين وتأخرها.

المصدر : الجزيرة