يعتقد البشتون، بحكم كونهم الأغلبية العرقية بأفغانستان، أن منصب الرئيس يجب أن يكون من نصيب أحدهم كما هو حال حامد كرزاي. وفي سباق الرئاسة الحالي يمثل المرشح عبد الله عبد الله حالة خاصة لكونه ينحدر من أب بشتوني وأم طاجيكية.

                                                               
 المحفوظ الكرطيط-كابل

كانت الاعتبارات العرقية والطائفية والحسابات البراغماتية حاضرة بقوة في انتخابات الرئاسة الأفغانية التي جرت السبت الماضي حينما تصرف المرشحون وأغلبية الناخبين على ضوء تلك الاعتبارات، مما يؤشر إلى أن ملف المصالحة الوطنية سيكون تحديا كبيرا أمام القيادة المقبلة للبلاد.

ويعتقد البشتون، بحكم كونهم يشكلون الأغلبية في البلاد، أن منصب رئاسة البلاد يجب أن يكون من نصيب أحدهم، كما هو حال الرئيس الحالي حامد كرزاي الذي ينحدر من عائلة بشتونية عريقة ومنخرطة في العمل السياسي منذ زمن بعيد.

وينحدر أبرز المرشحين للفوز بسباق الرئاسة، وهم وزيرا الخارجية السابقان عبد الله عبد الله وزلماي رسول ووزير المالية السابق أشرف غاني، من عرقية البشتون، التي يتمركز سكانها أساسا في شرق وجنوب البلاد.

بيئة طاجيكية
لكن حالة المرشح عبد الله عبد الله تعد خاصة لأنه ينحدر من أب بشتوني توفي عندما كان عبد الله طفلا صغيرا وترعرع في بيئة طاجيكية في كنف والدته وشارك في مقاومة القوات السوفياتية في معاقل الطاجيك ليصبح مستشارا للزعيم أحمد شاه مسعود.

ويفسر المحلل السياسي حكيم حكيمي هيمنة العامل العرقي والقومي والجغرافي في العملية الانتخابية بأفغانستان بكون الديمقراطية وقيمها لم تترسخ بشكل قوي لدى جميع فئات المجتمع بعد.

وأوضح حكيمي في حديث مع الجزيرة نت أن نسبة تتراوح بين 20% و30% من الناخبين فقط تكون قد صوتت على ضوء القيم الديمقراطية. وأضاف أن تلك الفئة من الناخبين تعيش في المدن الكبرى.

وبشأن انعكاس السلوك الانتخابي العام على المصالحة الوطنية يرى حكيمي أن تحقيق ذلك الحلم مستبعد جدا في ظل الحكومة المقبلة، "لأنه ملف معقد تتداخل فيها اعتبارات كثيرة على رأسها الأيديولوجيا والدين والعرق".

نزعة براغماتية
وتطغى اعتبارات الطائفة والعرق والمصلحة على اختيار كل مرشح لمنصبي النائب الأول والثاني للرئيس، حيث اختار عبد الله عبد الله لمنصب النائب الأول محمد خان، وهو شخصية بشتونية ذات وزن في الحزب الإسلامي الذي كان طرفا قويا في الاقتتال الذي شهدته البلاد في تسعينيات القرن الماضي.

ولمنصب النائب الثاني للرئيس اختار عبد الله عبد الله شخصية بارزة من أقلية الهزارة -شيعة- هو محمد محقق الذي يوصف بأنه "زعيم حرب".

وفي غمرة السباق الرئاسي غلبت الحسابات البراغماتية على الاعتبارات الأخلاقية، لدرجة أن المرشح أشرف غاني المشهود له بالثقافة العالية والخبرة المهنية الواسعة في الخارج والداخل اختار زعيم الحرب السابق عبد الرشيد دستم لمنصب نائب الرئيس.

وسبق لغاني أن وصف دستم بأنه "قاتل معروف". لكن طموحاته السياسية دفعته لتغيير موقفه بالكامل من القائد الأوزبكي، طمعا في أصوات الناخبين الأوزبك التي تقدر بحوالي مليون صوت.

ولضمان أكبر عدد ممكن من أصوات الهزارة اختار غاني لمنصب النائب الثاني سروار دانيش الذي سبق له أن شغل منصب وزير العدل.

في المقابل لا تثار أي شبهة بشأن جرائم حرب حول من اختاره المرشح زلماي رسول لمنصب النائب الأول للرئيس، وهو أحمد ضياء مسعود (طاجيك)، ويفسر ذلك الاختيار بسعي زلماي رسول لكسب أصوات الناخبين من تلك العرقية.

واختار زلماي رسول لمنصب النائب الثاني للرئيس بوحبيبة سروبي، وهي ناشطة سياسية بارزة من الهزارة التي تعد أول امرأة تولت منصب محافظ وعدة حقائب وزارية، وتعد من أبرز المدافعات عن حقوق المرأة.

سلوك الناخبين
وتنعكس هواجس العرق والطائفة كذلك في سلوك الناخبين الذين يصوتون غالبا وفق تلك المحددات وليس على ضوء ما يعرضه المرشحون من برامج وأفكار وخطط لإخراج البلاد من دوامة العنف ووضعها على سكة الديمقراطية والتنمية.

محمد آصف: لا يخفي انتماءه وتصويته في الانتخابات بوازع عرقي (الجزيرة)

وبمنتهى الصراحة يقول محمد آصف (47 عاما) الذي ينحدر من ولاية باروان -شمال كابل- ولا يخفي انتماءه لعرقية الطاجيك، إنه أدلى بصوته للمرشح عبد الله عبد الله، المحسوب لدى الرأي العام على عرقية الطاجيك، ووصفه بالمجاهد.

في مقابل ذلك التصويت ذي الحمولة العرقية يجسد الشاب عبد الباقي خان (22 عاما) الذي لا يخفي أنه من الهزارة سلوك الفئة التي صوتت وفق القيم الديمقراطية. وقال في تصريح للجزيرة نت إنه شارك في الاقتراع بدافع قول كلمته في تحديد مصير البلاد وتحقيق الاستقرار.

ويتوقع المراقبون أن تنعكس تحالفات المرشحين وسلوكيات الناخبين ذات النكهة العرقية والطائفية والبراغماتية في عدم حسم السباق الرئاسي في الجولة الأولى، وبالتالي ضرورة إجراء جولة ثانية مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر الفوضى والتوتر على غرار ما حصل في رئاسيات العام 2009.

المصدر : الجزيرة