عقبة الأحمد - إسطنبول

يرفع كرم أوزار الأذان بصوته الندي من مسجد "كيلتش علي باشا" في حارة توب هونا بمنطقة كراكوي في الشطر الأوروبي من إسطنبول.

ويرتبط نداؤه للصلاة بـ27 مسجدا في مناطق محيطة، لكنه لم يكتفِ بملامسة أسماع أهالي إسطنبول، بل أراد أن يحلّق عاليا في سماء المدينة بعين كاميرات مثبتة على طائرات لاسلكية ليشاهد بنظرة أوسع، فبات يعرف بـ"المؤذن الطيار".

منذ ثماني سنوات حمل أوزار (32 عاما) ميراث جده الإمام لأحد المساجد، فأصبح حافظا كتاب الله، وأحد أربعة مؤذنين في المسجد الذي يعود تاريخ بنائه إلى العهد العثماني في القرن الـ15 الميلادي.

بيد أن شغفه التقني أدخله تجربة فريدة، تحولت فيها الهواية إلى مصدر رزق كبير إلى جانب عمله مؤذنا.

كرم أوزار أثناء أذانه في مسجد
كيلتش علي باشا بإسطنبول 
(الجزيرة)

جمع أوزار بين ميراث الجد وعمل والده وعمه المهندسين الكهربائيين، حيث كان يهتم في صغره بالسيارات اللاسلكية لينتقل بعدها تركيزه على الطائرات المروحية التي يمكن التحكم بها عن بعد.

كاميرات فيديو
تطورت الفكرة مع أوزار بمرور الوقت ليحمل على تلك الطائرات كاميرات فيديو لتصوير الأماكن من ارتفاع يعطي الصورة جمالية وبعدا آخر لما يحدث على الأرض.

لم يرتضِ المؤذن الشاب بما يتداول في السوق المحلية من طائرات مروحية تعمل لاسلكيا لتثبيت كاميراته عليها، فعمل على تجميع الطائرات بنفسه عبر شراء قطعها من خارج البلاد.

وطور أداء تلك الآلات بحيث تستطيع حمل كاميرات ثقيلة والطيران لمسافات تتراوح بين ثلاثة كيلومترات وثلاثين كيلومترا، لكنه رغم ذلك لا يمكنه التصوير جوا لأكثر من خمس دقائق بسبب نفاد بطارية الطائرة.

ومن المفارقات أن هذا الشاب- الذي ما زال يدرس الشريعة- جمع بين البر والبحر والجو، إذ إنه يؤذن في مسجد على أرض إسطنبول، ويحمل المسجد اسم قائد بحري كبير في العهد العثماني، كما يعمل في الوقت نفسه بالتصوير الجوي للمدينة.

تصوير جوي
ويدير أوزار أربعة فرق عمل للتصوير الجوي، يتكون كل فريق من ثلاثة أفراد، واحد للتحكم بالطائرة وآخر لمراقبة ما تبثه الكاميرا على الشاشة لتصحيحه.

أوزار أثناء تجهيزه إحدى الطائرات
في ورشة مكتبه قبل مهمة تصوير
 (الجزيرة)

ومع مضي سنوات في صقل موهبته بالتصوير الجوي، شارك قبل خمس سنوات أصدقاء له في شركة للإنتاج التلفزيوني مديرا لقسم التصوير بالطائرات في واحدة من أهم خمس شركات تقدم هذه الخدمة التي بات الطلب عليها يزداد يوما بعد يوم، حسب ما قال للجزيرة نت، فقد وفرت هذه الخدمة على العاملين في مجال الإنتاج التلفزيوني عناء وتكاليف استئجار طائرة مروحية مع طاقمها لتصوير لقطات من الجو.

ولا يقتصر التوفير على الناحية المادية، بل إن هذه الطريقة بالتصوير سهلة التحكم والاقتراب من الناس ودخول أماكن
لا يمكن أن تصل إليها المروحيات الحقيقة.

وتشمل طلبات التصوير من أوزار التجمعات الانتخابية للأحزاب والمهرجات الشعبية خلال حملات الدعاية للانتخابات البلدية التي جرت مؤخرا في إسطنبول إضافة إلى الأفلام الوثائقية ولقطات في المسلسلات التلفزيونية.

موهبة تصوير
استعانت بلدية إسطنبول بموهبة هذا المؤذن لتصوير بعض البرامج، كما استعانت به رئاسة الوزراء في برامج لها.

وتتراوح أسعار التصوير الجوي -وفق أوزار- بين 1500 وخمسة آلاف دولار لليوم الواحد بحسب نوعية الكاميرات والطائرات اللاسلكية المستخدمة.

وعن صقل موهبته- التي لم يتعلمها في معاهد متخصصة- يقول أوزار للجزيرة نت إن التطورات التقنية وانتشار الإنترنت يفتحان الآفاق لمن أرد تطوير ذاته، مشيرا إلى أنه رغم ذلك حصل على "شهادة طيار" من هيئة الطيران التركية تمكنه من التحكم بالطائرة اللاسلكية.

أما عن طبيعة عمله فيقول للجزيرة نت إنه يتلقى الطلب للتصوير في مكان ما قبل يوم على الأقل، حيث يعمد بعدها لاختيار آلات التصوير المناسبة والاجتماع مع طاقمه لبحث الخطة ثم تجهيز الطائرات والانطلاق إلى المكان المحدد ليقوم هناك بتثبيت الكاميرات على الطائرات مع ربطها لاسلكيا بشاشة تمكنه من رؤية ما يصوره ثم يعود إلى مكتبه لإجراء المونتاج.

وخلال أدائه عمله في تجهيز الطائرات اللاسلكية تسمعه يدندن بصوت عالٍ بالأناشيد لتكتشف موهبة أخرى "للمؤذن الطيار" الذي يشدو بصوته قبل أن يعلو بكاميرته ليكتمل الصوت مع الصورة.

المصدر : الجزيرة