بعد مشاعر الأمل التي صاحبت إسقاط النظام الموالي لروسيا، بدأ التذمر يدب بجماهير أوكرانيا الثائرة بفعل انكماش الاقتصاد وتنامي الحركات الانفصالية بشرق البلاد وتعويل الحكومة على دعم الغرب، بدل وضع إستراتيجية لتحسين ظروف الناس ووضع حد لشبح التمزق والانقسام.

محمد صفوان جولاق-كييف

تفاءلت شريحة واسعة من الأوكرانيين بوصول السلطات الحالية إلى الحكم في فبراير الماضي، لكن مشاعر الأمل تحولت بعد مرور شهرين إلى تذمر يتعاظم من تعامل الحكومة مع ضم القرم إلى روسيا، ومع الحراك الانفصالي الذي قد يكرر هذا السيناريو في شرقي البلاد، إضافة إلى هواجس الاقتصاد والتعويل بشكل أساسي على الغرب.

اعتصامات ميدان الاستقلال باقية حتى الآن وشعاراتها تحمل بشدة على "روسيا المعتدية"، وتطالب الحكومة بمواقف قوية وسريعة لإنهاء الأزمة ودرء العدوان.

الحواجز المؤدية للميدان باقية كذلك وتعبر عن تذمر المحتجين الذي أوصلوا السلطات إلى الحكم، كما يقول المسؤول عن مجموعات الدفاع الذاتي الخاصة بالميدان تاراس أوساتينكو.

ويقول أوساتينكو إن الحواجز ستبقى، لأن الثورة تقاطعت مع التدخل الروسي، "ولدينا الكثير من التساؤلات الموجهة إلى الحكومة بشأن تعاملها مع الأزمة ومع قضايا التطهير التي طالبنا بها لاجتثاث بقايا الأنظمة السابقة من الدولة".

وفي حديث للجزيرة نت، شدد أوساتينكو على أن الاعتصامات باقية "ما دمنا بحاجة للبقاء حتى وإن كان سيطول إلى سنتين أو خمس سنوات".

فخ السلطة
ويفسر البعض تذمر الميدان وأنصاره وشريحة واسعة من الأوكرانيين خارجه بضعف الموقف الأوكراني إزاء ضم القرم، وتعويل كييف على الغرب لمنع التدخل الروسي وإنعاش الاقتصاد.

لكن رئيس مركز التشريع السياسي إيغور كوهوت طالب المتذمرين بالواقعية، وقال إن الحكومة الحالية وقعت في فخ السلطة التي أخليت من قبل نظام الرئيس فيكتور يانوكوفيتش بين ليلة وضحاها في 22 فبرار/شباط الماضي، ثم بدأت تتخبط لملء الفراغات السياسية والأمنية، على حد قوله.

جانب من الوقفات الاحتجاجية أمام المباني الرسمية في كييف (الجزيرة)

وأضاف أن الحكومة منهمكة بمشاكلها ومسألة الولاء لها في شرق البلاد وجنوبها، قائلا إن موقفها كان ضعيفا جدا إزاء ضم القرم وكأنه تسليم بالأمر الواقع.

ويوضح أن الحكومة تبدو عاجزة أمام الحراك الانفصالي في شرق أوكرانيا، وغير قادرة على إخماد نشاط يشارك فيه المئات على أقل تقدير، حسب تعبيره.

أكبر الأزمات
وأمام مبنى البرلمان الأوكراني ورئاسة الوزراء تجري وقفات احتجاجية شبه يومية ضد السلطات، لكن الأخيرة تدافع عن مواقفها، وبعض أعضائها يفندون الانتقادات. ويعتبر هؤلاء أن الحكومة تواجه أكبر أزمة تعصف بالبلاد منذ الاستقلال، وعلى جميع الصعد.

وفي حديث للجزيرة نت، قالت الناشطة الاجتماعية إيرينا إن جمعيتها نظمت وقفة أمام البرلمان ضد قانون أقر مؤخرا يحد من دعم الأسر متعددة الأطفال بهدف خفض العجز في الميزانية، معتبرة أنه غير إنساني وله تأثير خطير على نسب الإنجاب.

أما النائب عن حزب الوطن سيرهي تيريوخين فقال إنه يدرك أن البلاد أمام وضع اقتصادي كارثي وعدوان عسكري وشيك، مضيفا "في ظل هذه الظروف مضطرون لتغيير الأولويات، واتخاذ إجراءات وتدابير صعبة لمنع الانهيار ومنع تكرار سيناريو القرم في شرقي البلاد".

وقال إن الأولوية الآن للخروج من الأزمة والتعافي بمساعدة الغرب المعني بأوكرانيا كدولة مستقلة وموحدة وذات سيادة واكتفاء، بينما ستأتي مرحلة تحسين ظروف الحياة عاجلا أم آجلا لأن من أجلها قام الميدان وسيستمر، على حد قوله.

المصدر : الجزيرة