رغم التواجد القديم للمسلمين في بلجيكا فإن السلطات لم تعترف بالدين الإسلامي إلا قبل أربعين عاما، وهو ما فتح الباب أمام إيجابيات عدة، لكن التجربة أوضحت أن الجالية المسلمة بحاجة إلى مزيد من التنظيم الداخلي والحوار مع الآخر.

لبيب فهمي-بروكسل

تحتفل الجالية المسلمة في بلجيكا هذه السنة بمرور أربعين عاما على الاعتراف الرسمي بالدين الإسلامي، وهو اعتراف سمح لهذه الجالية بالحق في حصول أبنائها على دروس في التربية الإسلامية فضلا عن صرف الدولة رواتب الأئمة وتحمل بعض من نفقات المساجد.

وبدأت القصة حسبما حكى الرئيس السابق للهيئة التنفيذية لمسلمي بلجيكا، محمد بوليف، للجزيرة نت، عندما تم إنشاء مركز إسلامي صغير عام 1963 فى أحد أحياء بروكسل المتواضعة.

وأضاف بوليف أن عام 1967 شهد تطورا مهما عندما قام الملك البلجيكى الراحل بودوان الأول بإهداء الملك السعودي فيصل جزءا من متحف الآثار الذى يقع فى أحد أجمل حدائق العاصمة البلجيكية وعلى بعد أمتار من مقر المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبى، ليكون بعد ذلك مسجدا ومقرا للمركز الثقافي الإسلامي، ويبدأ نوع من الوجود الرسمي للدين الإسلامي في بلجيكا".

وشهد عام 1974، اعتراف الحكومة البلجيكية بالإسلام كدين رسمي في البلد، وهو ما يرجعه بوليف إلى أسباب عديدة منها السياسية المتعلقة بأزمة البترول، مشيرا إلى أن "من نتائج هذا الاعتراف المصادقة في العام التالي على إدخال مادة التربية الإسلامية ضمن البرامج المدرسية لأبناء الجالية المسلمة".

على المسلمين العمل من تلقاء أنفسهم لإنشاء منظمات تمثلهم وتتجاوز اختلافاتهم المتعلقة بالإصول الوطنية والانتماءات المذهبية

تواجد قديم
يشار إلى أن تواجد المسلمين في بلجيكا يعود إلى قرون مضت، وذلك وفق ما أكده الأستاذ الجامعي فريد العسري خلال ندوة أقيمت الجمعة للإعلان عن إطلاق فعاليات الاحتفال بالذكرى الأربعين للاعتراف الرسمي بالإسلام في بلجيكا.

ولفت العسري إلى أن الجغرافي الشريف الإدريسي يتحدث في كتابه نزهة المشتاق عن بعض مناطق بلجيكا، كما تؤرخ بعض الكتابات لتواجد ما كان يطلق عليه بالمحمديين أي المسلمين, وهو ما يعني أن المسلمين وإن لم يتواجدوا بكثرة في البلد فإنهم قد وصلوا إليه منذ قرون.

وإذا كان الجميع يعترف بأن إقرار رسمية الدين الإسلامي في بلجيكا قد سمح للجالية المسلمة بتحقيق مجموعة من المطالب تتجاوز بكثير ما تم تحقيقه في كثير من الدول الأوروبية الأخرى فيما يتعلق بممارسة شعائرهم، فإن الكثيرين يشددون على ضرورة أن تسمح الدولة لهذه الجالية بتنظيم نفسها وألا تتدخل في شؤونها.

وكما يقول بوليف للجزيرة نت فإن "تجربة إنشاء الدولة البلجيكية للهيئة التنفيذية لمسلمي بلجيكا، لتمثيل المسلمين، أبرزت أن تدخل السلطات غير مجد، فنظرتها لتسيير الأمور الدينية قد تكون مختلفة عن وجهة نظر المسلمين أنفسهم، لذا على المسلمين العمل من تلقاء أنفسهم لإنشاء منظمات تمثلهم وتتجاوز اختلافاتهم المتعلقة بالإصول الوطنية والانتماءات المذهبية".

التقديرات الرسمية تتحدث حاليا عن نصف مليون مسلم في بلجيكا، ينحدر معظمهم من تركيا والمغرب وألبانيا

غياب الحوار
وذكّر بوليف بأن "كل الديانات الأخرى تمتلك ممثلين يتحدثون باسمها أمام السلطات باستثناء المسلمين الذين ما زالوا غير موحدين وهو ما يؤثر على تحقيق بعض مطالبهم".

أما العسري فقال للجزيرة نت إن "التحديات التي تواجه الجالية المسلمة في بلجيكا حاليا هي تفعيل الحوار الداخلي بين الجالية نفسها وهو ما سيفرض عليها طرح بعض الأسلئة المصيرية، كالتعامل مع النصوص الرئيسية للإسلام في واقع ليس مسلما. كما على الجالية أيضا فتح حوار مع المجتمع بكل مكوناته لتحديد دور هذه الجالية في مجتمع متعدد الثقافات والديانات".

وشدد الأستاذ الجامعي على أنه "لا حاجة للتقوقع على الذات في وقت لم تعد فيه الجالية المسلمة تفكر بالعودة إلى بلدانها الأصلية. فمستقبل أبنائها سيكون في هذا البلد لذا عليها أن تضع أسس العيش كجزء من هذا المجتمع".

جدير بالذكر أن التقديرات الرسمية تتحدث حاليا عن نصف مليون مسلم في بلجيكا، ينحدر معظمهم من  تركيا والمغرب وألبانيا بشكل رئيسي، إلى جانب جنسيات أخرى مختلفة.

المصدر : الجزيرة