بوادر أزمة تلوح في الأفق بعد إعلان الحكومة التركية رفض تظاهر نقابات العمال في ميدان تقسيم بإسطنبول مطلع الشهر المقبل، فيما تصر عدة نقابات على التظاهر بالميدان في ذكرى احتجاجات عنيفة وقعت العام الماضي "لما يمثله من رمزية".

وسيمة بن صالح-أنقرة

أعلنت الحكومة التركية رفض التظاهر في ميدان تقسيم بإسطنبول، داعية نقابات العمال وموظفي القطاع العام للاحتفال بعيد العمال في ميادين أخرى خصصت لذلك، فيما تصرّ نقابات على التظاهر فيه.

ولم تصدر ردود أفعال من العديد من النقابات العمالية في تركيا حول هذا القرار، إلا أن النقابات المحسوبة على التيار اليساري أعلنت تحديها للحكومة التركية و قرار المنع، وأكدت مواصلة تحضيراتها للتواجد في ميدان تقسيم في الأول من مايو/أيار المقبل.

ويعتبر ميدان تقسيم مكانا تقليديا للمنظمات اليسارية بتركيا لتنظيم مسيراتها ومظاهراتها السياسية. وشهد الميدان منذ 31 مايو/أيار الماضي، احتجاجات رفضا للتدخل العنيف للشرطة ضد مجموعة من نشطاء مناصرين للبيئة كانوا يعترضون على إزالة حديقة غيزي ضمن مخطط لبناء مركز تجاري في المنطقة وثكنة عسكرية عثمانية، لتنتشر الاحتجاجات إلى مناطق مختلفة في تركيا فيما عرف بأنه أعنف موجة احتجاج ضد حكومة حزب العدالة والتنمية.

أوزغين وصف قرار الحكومة بغير القانوني والمصادر لحقوقهم الشرعية (الجزيرة)

وبحسب تصريحات لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، لم يعد ميدان تقسيم صالحا لتنظيم المسيرات، خاصة بعد أن تمّ تغيير ملامحه ليصبح "مكانا خاصا بالمشاة". واعتبر أن الاحتجاجات والمظاهرات التي "تجبر مواطنينا على إغلاق محلاتهم وأماكن عملهم لم يعد ممكنا تنظيمها هناك"، في إشارة لأصحاب المحلات التجارية والمطاعم التي تعجّ بها ساحة تقسيم، إحدى أهم المعالم السياحية في إسطنبول.

وأكد أردوغان أن بلدية إسطنبول الكبرى خصصت ميادين وساحات أخرى بمدينة إسطنبول يمكن للنقابات استعمالها للاحتفال بعيد العمال، إضافة إلى وجود مشاريع مستقبلية للبلديات التابعة للحزب الحاكم لإنشاء مساحات جديدة تصل سعتها إلى مائة ألف شخص، لتنظيم التجمعات والمسيرات.

بدوره، أكد بولنت أرينتش نائب رئيس الوزراء التركي والمتحدث باسم الحكومة، أن قرار الحكومة بعدم السماح بتنظيم احتفال الأول من مايو/أيار في ميدان تقسيم "قطعي ونهائي"، وأن كل من يخالف هذا القرار سيكون عرضة للمساءلة القانونية وتدخل رجال الأمن في مواجهته. واعتبر أن النقابات اليسارية تستغل دائما هذه المناسبة "لإحداث أعمال شغب وتذكير الناس بأحداث أليمة عاشتها المنطقة"، بحسب تعبيره.

مصادرة حقوق
ويضم اتحاد نقابات عمال القطاع العام "كيسك" المعارض للحكومة التركية والتابع للتيار اليساري نحو 238 ألف عضو، وهو أحد الاتحادات التي تواصل تحضيراتها للاحتفال بعيد العمال في ميدان تقسيم الذي يعتبرونه "ميدانهم التقليدي لمثل هذه المناسبة"، بحسب ما صرح به رئيس الاتحاد لمعي أوزغين للجزيرة نت، واصفا قرار الحكومة بـ"غير القانوني" والمصادر لحقوقهم الشرعية.

كما قلل من أهمية تصريحات الحكومة عن أسباب المنع بأنها "لأسباب أمنية ومنعا لاستغلال هذه المناسبة من قبل مجموعات متطرفة لتفجير اشتباكات مع رجال الأمن"، و اعتبرها "ذرائع واهية". كما اتهم أردوغان بأنه "يواصل نهج أسلوب العناد والتهميش ضد بعض المجموعات في تركيا".

وعند سؤاله عن سبب إصرارهم على الاحتجاج في ميدان تقسيم، أجاب بأنه مكان رمزي يعني الكثير لهم، خاصة أنه حتى الآن لم تتم محاكمة المسؤولين عن قتل 34 شخصا خلال الاحتفال بعيد العمال عام 1977 في ميدان تقسيم.

دوغدو: استغلال هذه القضية كأداة تعنت من قبل النقابات اليسارية ليس سليما (الجزيرة)

من جهته، ورغم تأكيده على ضرورة معاقبة المسؤولين عن سقوط ضحايا عام 1977 في ميدان تقسيم، رأى أحمد غون دوغدو رئيس "مأمور سان" -أكبر اتحاد لموظفي القطاع العام ويضم 710 آلاف عضو- أن استغلال هذه القضية كأداة تعنت من قبل النقابات اليسارية ليس قرارا سليما.

وفي حديثه مع الجزيرة نت، اعتبر أن الأهمية لا تكمن في ساحات بعينها بل بالخطابات والكلمات التي تلقى في مثل هذه المناسبات. كما اتهم النقابات اليسارية بعدم السعي لتحقيق مطالب العمال والموظفين والاتحاد مع باقي النقابات لتحقيق تلك الأهداف، بل إنها تسعى "لتكون جزءا من سيناريوهات لقوى خارجية تهدف لتأجيج احتجاجات تقسيم2".

وأكد أن تلك النقابات احتكرت ميدان تقسيم دائما، حتى أنها في عام 2013 منعت بعض النقابات من الاحتفال هناك بحجة عدم انتمائها للاتحاد الدولي للنقابات العمالية، الذي شارك وقتها سكرتيره العام في الاحتفال إلى جانب نقابيين أوروبيين.

وأعلن أن اتحادهم سيتوجه هذا العام لمدينة ديار بكر في الأول من مايو/أيار للاحتفاء بما وصفه مكاسب عملية السلام الخاصة بالقضية الكردية، إضافة لإنجازات في مجالهم، وأهمها رفع الحظر عن الحجاب في المؤسسات العمومية.

وأضاف أنهم سيستغلون الحدث للمطالبة بتحسين شروط العمل في القطاع العام وإيجاد حلول سريعة لمشكلة البطالة التي تبلغ نسبتها في تركيا 9%.

المصدر : الجزيرة