أشعل أتراك من أصل أرميني الشموع بميدان تقسيم وسط إسطنبول إحياء لذكرى ما يقولون إنها "مذابح ممنهجة" تعرضوا لها عام 1915 على يد الجيش العثماني، وهو ما تنفيه تركيا نفيا قاطعا، وتقول إن الموضوع جرى تضخيمه لأهداف سياسية.

دانة عيسى العمري-إسطنبول
 
شهد أمس 24 أبريل/نيسان تغيرا لافتا في طريقة تعاطي الحكومة التركية مع أحداث عام 1915 التي يدور حولها جدل ساخن منذ قرن من الزمان، حيث يرى الأرمن أنهم تعرضوا في تلك السنة بأنحاء تركيا لمذابح منظمة، بينما ينكر الأتراك وجود أي برنامج ممنهج ضد الأرمن في عهد الدولة العثمانية، وأن ما حدث كان جزءا من مسرح القتال بالحرب العالمية الأولى (1914-1918).

وقد تجلى التغيير الأكبر في تعاطي الحكومة التركية مع الأزمة يوم أمس عندما أصدر رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان -وللمرة الأولى في تاريخ الجمهورية التركية- بيان عزاء للأرمن وشعوب الدولة العثمانية بمناسبة ذكرى أحداث 24 أبريل/نيسان 1915 داعياً الأرمن للتقدم بخطوات نحو تسوية المشكلة مع تركيا.

وتزامن الإعلان مع إقامة الأرمن ومناصريهم فعالية لإحياء ذكرى الأحداث وسط إسطنبول للمرة الأولى، بعد أن كانت فعاليات مشابهة ممنوعة ومحرمة.

وكانت أول إشارة على تغير طريقة تعاطي الحكومة مع أحداث عام 1915 قد حدثت عامي 2011 و2012، عندما سمح لمجموعة من حوالي سبعين شخصاً -يحرسهم عدد مماثل من الشرطة- بتنظيم فعالية صغيرة وقصيرة في ذكرى أحداث عام 1915.

يُذكر أن تعزية أردوغان التي صدرت بالأمس تأتي بعد أربع سنين فقط على أزمة دبلوماسية حادة بين تركيا والولايات المتحدة بعد أن تبنى مشرعو الأخيرة قرارا يصف أحداث 1915 بأنها "إبادة جماعية" وكذلك بعد سنتين من إقرار فرنسا قانونا يجرم إنكار وقوع "إبادة جماعية بحق الأرمن".

ورغم التاريخ الحافل بالمواجهات الدبلوماسية المحتدمة بين تركيا وعدد غير قليل من دول العالم بالعقود الماضية حول حقيقة ما حدث للأرمن عام 1915، تم السماح للأرمن ومناصريهم -دون غيرهم- بتنظيم فعاليات في ذكرى الأحداث بميدان تقسيم الشهير وسط إسطنبول أمس الخميس، رغم أن السلطات التركية اعتادت على منع تنظيم الفعاليات بهذا الميدان وخاصة بعد أحداث حديقة غيزي في الأول من مايو/أيار من العام الماضي.

video
مصير مجهول
فعالية هذا العام فاقت الأعوام الأخرى بالتفاصيل والعدد، حيث بدأت الفعالية في محطة قطار حيدر باشا التاريخي الذي شهد تهجير أول دفعة من المفكرين الأرمن من إسطنبول لمصير مجهول في الأناضول بتاريخ 24 أبريل/نيسان 1915.

والمحطة الثانية للفعالية كانت زيارة المقابر الأرمنية وسط إسطنبول، وهي المرة الأولى التي تسمح فيها السلطات التركية بنشاط للأرمن داخل مقابرهم.

أما المحطة الثالثة وهي الأهم، فهي اعتصام ما يزيد على الألف شخص في ميدان التقسيم الشهير مع إيقاد الشموع ورفع صور قتلى أرمن.

تقول السيدة يلديز أونان -الأرمنية التي لا تتقن اللغة الأرمنية- إنها شاركت في هذه الفعالية للحفاظ على إرثها ولأنها تعتبر الأرمن أقارب لها قتلوا في مذابح واسعة، وعلى الحكومة التركية أن تعترف بها وتعتذر عنها.

أما نيكولاس دافيديان، البريطاني ذو الأصول الأرمنية الإسطنبولية، فيقول إن عائلته أنقذت الكثير من الأيتام الأرمن الذين كانوا سيلقون حتفهم لولا تدخل عائلته.

ويقول دافيديان -الذي يرأس الفرع الأوروبي لمنظمة أرمنية عالمية- إن على الحكومة التركية أن تعترف بالإبادة الجماعية التي مارستها الدولة العثمانية أوائل القرن الماضي، مع ما يترتب على ذلك الاعتراف من تبعات ثقافية ومادية.

ويؤكد أن بيان العزاء الذي قدمه رئيس الوزراء أردوغان خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه غير كافٍ ولا مرضِ.

الأتراك يقولون إن هناك عددا من الأرمن والأتراك قتلوا في إطار العمليات الحربية (غيتي)
معانٍ ودلالات
ويحمل يوم الـ24 من أبريل/نيسان معاني مختلفة لكل من الشعبين الأرمني والتركي. فبالنسبة للأرمن، هو العام الذي شهد بداية ما يقولون إنها "إبادة جماعية" تعرضوا لها في معظم مدن تركيا العثمانية وقتئذ بتهمة العمالة لدول كانت عدوة للعثمانيين بالحرب العالمية الأولى.

أما بالنسبة للأتراك، فإنه يوم مرتبط بمحاولة النيل من بلادهم عن طريق لوبي أرمني قوي بالولايات المتحدة والغرب، وظف كل إمكاناته لتكون "مذابح الأرمن" نقطة سوداء في سجل تركيا العضو بحلف شمال الأطلسي (ناتو) وأكبر الدول الإسلامية بالشرق الأوسط.

وقد تأسست تركيا العلمانية الحديثة بالربع الأول من القرن العشرين، وألغيت الخلافة العثمانية رسميا عام 1924 أي بعد تسعة أعوام من أحداث عام 1915، ورغم أن تركيا الحديثة تأسست على يد مصطفى كمال أتاتورك عدو العثمانيين اللدود، فإنها ظلت متمسكة بالرواية العثمانية التي تنكر حدوث مجازر للأرمن على أرض الدولة العثمانية.

وتقول الرواية التركية إن الأرقام التي تتحدث عن مليون إلى مليون ونصف مليون قتيل أرمني هي أرقام مبالغ بها بشكل كبير، كما أن الجانب التركي خسر هو الآخر آلاف القتلى على يد الأرمن نتيجة اشتعال حرب عرقية على هامش الحرب العالمية الأولى التي كانت تدور رحاها آنذاك.

ويرى جنكيز طومار، نائب مدير معهد الدراسات الشرق أوسطية في جامعة مرمرة في إسطنبول، أنه يتوجب تفسير ما حدث عام 1915 وما بعده من منظور تاريخي وعلمي مع تأكيده على حصول بعض التجاوزات غير المنظمة على الأرمن بسبب تعاون بعضهم مع روسيا القيصرية وتقديمهم الدعم اللوجستي للجيش الروسي الذي احتل الأجزاء الشرقية من الدولة العثمانية.

ويقول طومار إن الدولة العثمانية اضطرت لتهجير ما بين نصف المليون إلى مليون أرمني من مدن توكاد وسيواس وأرضروم لمناطق أكثر أمناً وأقل تأثيراً على مقدرات الجيش العثماني، مع تأكيده على خلو الأرشيف العثماني من أي أوامر حول قتل الأرمن.

السلطات التركية سمحت بأول نشاط للأرمن في مقابرهم بإسطنبول (الجزيرة)
تعارض بالرؤى
ومما يدل على اتساع الهوة بين الرؤية التركية والأرمنية الغربية، لأحداث 1915، أن القوانين المعمول بها في تركيا على مدى العقود الماضية كانت تجرم من يقول إن الأرمن تعرضوا لمذابح أو إبادة عام 1915 وما بعده، بينما يوجد أكثر من 22 دولة -معظمها غربية- تصنف الأحداث على أنها إبادة جماعية.

ومن الأمثلة على حساسية الموقف التركي من التعامل مع أحداث عام 1915 على أنها "إبادة جماعية" ملاحقة الروائية التركية المعروفة عالمياً "أليف شفق" قضائياً في أكثر من محكمة بإسطنبول عام 2006 لأنها سردت في روايتها الشهيرة "الأب وابن الزنى" حلماً لأحد أبطال روايتها تضمن مشاهد لمجازر تعرض لها الأرمن عام 1915.

ولكن خطوة أردوغان الأخيرة وخروج الأرمن لإيقاد الشموع في ذكرى قتلاهم قد يغير الجو العام في تركيا بشأن النظر إلى أحداث 1915 من الآن فصاعدا.

المصدر : الجزيرة