ما زالت أصداء المجزرة التي وقعت في مدينة بانتيو بجنوب السودان تتردد وسط جو من الهلع وروايات لشهود عيان تؤكد أن المدنيين كانوا الضحية الأولى لهذه المجزرة.

أجوك عوض الله جابو-جوبا

روعت مجزرة مدينة بانتيو التي ارتكبت ضد مدنيين داخل أحد المساجد وبعض الكنائس بالمنطقة كثيرا من المنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية.

ولم يكن ما نقلته كاميرات بعثة الأمم المتحدة بدولة جنوب السودان "يونميس" إلا جزءا يسيرا مما رواه شهود عيان وبعض الفارين من نيران الصراع الدائر بين الجيش الحكومي والمتمردين.

فقد روت نياجانق بيتر أنه وقبل أسبوعين من وقوع المجزرة سمعنا أخبارا بأطراف المدينة تفيد بأن مليشيات الجيش الأبيض التابعة لقوات رياك مشار هاتفوا أهلهم بالمنطقة، وطلبوا منهم مغادرتها "لأنهم يعدون العدة لشن هجوم ضار عليها".

وقالت إن ذلك أثار الخوف والهلع في كل المدينة، الأمر الذى دفع العديد من النساء لجمع الثمين من متعلقاتهن وحمل أطفالهن للتوجه ناحية مقر بعثة الأمم المتحدة بالمنطقة.

وأضافت لكنّ أفرادا من الجيش الشعبي أغلقوا الطرق المؤدية إلى مقر البعثة، وحالوا بيننا وبين المقر، زاعمين أن قوات مشار لن تستطيع دخول المنطقة.
لاجئون من جنوب السودان يفترشون الأرض (الجزيرة)

سيطرة حكومية
وبينت أنه وتدعيما لموقفهم خاطب المستشار الأمني للشعبي المواطنين عبر الإذاعة، مؤكدا سيطرة قواته على الأوضاع، ومعلنا إغلاقه الطرق المؤدية إلى يونميس.

وتواصل نياجانق حديثها للجزيرة نت "لم يكن لنا أي خيار سوى البقاء في المنطقة بانتظار قدرنا حتى صدق الوعد باجتياح قوات مشار "ناشرة الموت والرعب في كل مكان".

وتقول "كان المنظر مروعا لدرجة تفوق الوصف"، مشيرة إلى فقد الكثيرات من النساء أطفالهن من شدة الجوع والعطش "لأنه لم يكن هناك أي طعام غير ما جادت به أشجار السدر المنتشر في الغابة".

وتضيف "سرنا لمسافات بعيدة إلى أن بلغنا مدينة ميوم (حوالي 80 كيلومترا) سيرا على الأقدام.

وعلى الرغم من تطابق أقوال العديد من المواطنين بشأن اعتراض أفراد من الجيش الشعبي طريقهم والحيلولة دون وصولهم إلى المقر الأممي فإن وزير الإعلام الجنوب سوداني مايكل مكواي نفى الأمر "جملة وتفصيلا".

ووصف روايات المواطنين بالمغلوطة، مؤكدا أن السلطات لم تأمر بإغلاق الطريق ولم تمنع المواطنين من الاحتماء بمقر البعثة الأممية بالمنطقة.

إغلاق أبواب
واتهم الوزير القوات الأممية بإغلاق مقرها في وجه المواطنين عند هجوم قوات مشار، مبينا في حديثه للجزيرة نت أن هذه القوات هي من طلبت من المواطنين -الذين قصدوها للاحتماء- الذهاب إلى المسجد.

ويتفق الناطق الرسمي باسم الجيش الشعبي العميد فليب أقوير مع تفنيد مكواي، نافيا في إفادة مقتضبة للجزيرة نت علمه أو توافر أي معلومة لديه بهذا الصدد. وقال "لم نصدر مثل هذه التعليمات".

في المقابل، شكك الكاتب والمحلل السياسي بجنوب السودان دينق ديت أيوك باستخدام الجيش الشعبي المواطنين دروعا بشرية، لكنه لم يستبعد ذلك في تعليقه للجزيرة نت، قائلا إنه ربما تم "بقصد الحماية من نيران قوات مشار".

وأشار ديت إلى وجود انتهاكات وقعت أثناء المعارك بين الجيشين، مضيفا أن "هذا طبيعي في أي حرب يكون المواطنون فيها هم الضحايا".

فيليب أقوير: لم نمنع المدنيين من اللجوء لمقار الأمم المتحدة لجزيرة-أرشيف )

تورط الحكومة والمتمردين
وكانت الأمم المتحدة أوضحت في بيان لها عقب استيلاء قوات مشار على بانتيو أن المهاجمين عمدوا إلى قتل الأبرياء دون رحمة مع أنهم احتموا داخل المساجد والكنائس ومقار الأمم المتحدة في المدينة.

واعتبرت أن الطرفين المتقاتلين تورطا في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، داعية إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية بين الطرفين.

ووعدت بفتح تحقيق شامل بشأن هذه الانتهاكات، "إذ لابد من تقديم المتورطين إلى العدالة".

لكن مكواي يرى أن المجزرة التي شهدتها منطقة بانتيو بدأت من الداخل، ذاكرا أن العناصر التي عادت إلى صفوف الجيش الشعبي بعد تمردها مع قوات مشار "وعلى الرغم من وثوق الجيش الشعبي بهم وأعادتهم إلى صفوفه فغنهم شكلوا طابورا خامسا لمشار داخل المنطقة".

وأضاف أن بعض العناصر المحسوبة على مشار كانت تقيم داخل المقر الأممي وخرجت في الليلة ذاتها.

وكان الناطق الرسمي باسم قوات مشار نفى استهداف المواطنين عند دخول قواته أي منطقة. وقال إن المواطنين يخلون المناطق التي ندخلها دائما لأنهم يسمعون بتحركاتنا.

المصدر : الجزيرة