رغم أن المراقبين يجمعون على أن تهديد السلطة الفلسطينية بحل نفسها انعطافة غير مسبوقة في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، وقد تضع إسرائيلَ أمام مسؤوليات معقدة ومتشعبة، فإن أيا من ذلك لن يدفع حكومة تل أبيب لتغيير مواقفها وإنجاح المفاوضات.

وديع عواودة-حيفا

تتصاعد المؤشرات على احتمال إطلاق السلطة الفلسطينية "انتفاضة دبلوماسية"، ويرى مراقبون إسرائيليون ودوليون أن السلطة قد تكون جادة في تهديدها هذه المرة إذا لم تغير الحكومة الإسرائيلية من مواقفها.   

كم يرى المراقبون أن السلطة الفلسطينية قد تهدد بحل نفسها والتحول إلى "كيان تحت الاحتلال"، الأمر الذي قد يضع إسرائيل أمام مسؤوليات متعددة ومتشعبة، إلا أن بعض المراقبين يستبعدون رغم ذلك تغييرا في مواقف الحكومة الإسرائيلية.

وقالت القناة الإسرائيلية الثانية مساء الأحد إن السلطة الفلسطينية توجّه تهديدا لإسرائيل بحل ذاتها وتحميلها وزر إدارة شؤون الفلسطينيين بكل أعبائها وتبعاتها المالية والأمنية إذا انتهت المفاوضات إلى طريق مسدود.  

ونقلت القناة استنادا إلى مصادر إسرائيلية أن ما قاله الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام برلمانيين إسرائيليين قبل أيام في رام الله، من شأنه أن يتحوّل قريبا إلى موقف فلسطيني رسمي في المفاوضات، حيث انطوى على تلميح بتصعيد الموقف وحلّ السلطة.

وقالت إن السلطة الفلسطينية شكلت في الفترة الأخيرة طاقما لتداول إمكانية وآليات حل نفسها إذا فشلت المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، مشيرة إلى أن المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية سيدرس السبت القادم الخيار المذكور، وذلك قبل ثلاثة أيام من انتهاء المدة المحددة للمفاوضات بتسعة شهور.

إزراحي يعتقد أن الخطوة الفلسطينية لن تكبح أطماع الإسرائيليين بالضفة الغربية (الجزيرة)

خطوة درامية
وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إن إسرائيل تلقت رسميا تهديدا بالقيام بالخطوة "الدرامية" المذكورة، وذكرت أن قادة فلسطينيين -منهم جبريل الرجوب- سبق أن طرحوا هذه الفكرة.

ونقلت الصحيفة عن ضباط إسرائيليين أنهم التقوا نظراءهم الفلسطينيين قبل أيام وسمعوا منهم أقوالا مماثلة، وهذا ما يرجحه مراقبون إسرائيليون بارزون.

ويقول المحاضر في العلوم السياسية بالجامعة العبرية البروفيسور يارون إزراحي إن ذلك يعني إلغاء اتفاق أوسلو وتفكيك الأجهزة الأمنية واضطرار إسرائيل لتحمل المسؤولية الأمنية والجنائية في كل الضفة الغربية.

ويحذر إزراحي من تبعات قضائية أيضا، لأن مثل هذه الخطوة تعني تعريض المستوطنات لدعاوى في المحاكم الدولية، لا سيما بعد انضمام السلطة الفلسطينية إلى اتفاقيات جنيف.

ويتابع "لا أعتقد أن الخيار الفلسطيني سيزحزح حكومة (رئيس الوزراء الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو عن رؤيتها الرافضة للتسوية طمعا بالضفة الغربية، إلا إذا كان ثمن الاحتلال غاليا جدا وخارج الحلبة الدبلوماسية".

وهذا ما يراه زميله المحاضر في جامعة تل أبيب ألون ليئيل الذي يقول إن تهديد الفلسطينيين بحل السلطة الوطنية طالما كان حاضرا في الأجواء، لكنهم يتجهون اليوم لاستخدامه كآخر ورقة وإلغاء كافة التزاماتهم في اتفاق أوسلو.

جيش لبنان الجنوبي
وينقل ليئيل -وهو مدير عام سابق لوزارة الخارجية- عن ضابط إسرائيلي التقى نظيره الفلسطيني الأسبوع الماضي، قوله إن القيادة الفلسطينية "ليس لديها ما يمكّنها من لعب دور جيش لبنان الجنوبي الجديد".

ويقول إن صائب عريقات أبلغ الجانب الإسرائيلي بهذا الخيار ليلة الخميس الماضي، وإن الفلسطينيين  يؤمنون بأن حل السلطة سينسف مكاسبهم، لكن معاقبة إسرائيل أكبر من خسارتهم لا سيما أنهم سيشرعون في "انتفاضة دبلوماسية" في اليوم التالي.

ويتفق المعلق السياسي نحوم برنيع مع إزراحي وليئيل، ويعتبر تصريحات عباس لصحيفة "المصري اليوم" الخميس الماضي بأنه "يشارف على الثمانين عاما ويرغب في نقل الراية إلى آخرين"، نوعا من التهديد بحل السلطة.

ويوضح أن هناك عائقين اثنين -عدا إطلاق بقية الأسرى القدامى- يصعّبان استئناف المفاوضات، وهما: تجميد المستوطنات لثلاثة أشهر، والتزام إسرائيل بالتفاوض الفوري حول الحدود.

ويرى المراقبون أن حل السلطة سيترتب عليه نتائج قاسية بالنسبة لإسرائيل، ليس أقلها تسريح نحو 40 ألف موظف في السلطة الفلسطينية ليصبحوا عاطلين عن العمل، إضافة إلى تكفل إسرائيلي بملفات الأمن والتعليم والصحة والمياه وبقية الخدمات المكلفة في الضفة الغربية.

مراقبون إسرائيليون يحذرون من تداعيات تصب في مصلحة حماس (رويترز)
الوئام مع حماس
ويحذر المتحدث من نشوب جولة عنف جديدة قد تعزز قوة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، إضافة إلى الدعاوى القضائية في المحاكم الدولية ضد إسرائيل واتساع مقاطعتها في العالم. ومع ذلك يستبعد برنيع أن يدفع تهديد السلطة بحل نفسها إلى إحياء مفاوضات حتى غير حقيقية.

وهذا ما تستبعده أيضا رئيسة حزب "ميرتس" زهافا جالؤون التي توضح أن نتنياهو غير معني بالتسوية في كل الظروف، وأن حل السلطة لن يزحزحه عن تعنته. وتقول إنها سمعت من الرئيس عباس الأسبوع الماضي تلميحا غليظا حول نيته تفكيك السلطة، معتبرة ذلك انعطافة قد تهدد الاستقرار في المنطقة، ومحملة حكومة نتنياهو المسؤولية الأساسية.

بالمقابل قللت عضوة الكنيست عن "البيت اليهودي" أوريت ستروك من خطورة حل السلطة الفلسطينية، بل تبارك ذلك وتتمناه. وفي صفحتها على الفيسبوك تقول ستروك إن إسرائيل ستتدبر شؤون الضفة بما هو أسهل وأقل كلفة بعد حل السلطة.

أما وزير الشؤون الإستراتيجية يوفال شتاينتس فيرى أن مسؤولي السلطة الفلسطينية لن يجرؤوا على حلها، وقال في تصريحات للإذاعة الإسرائيلية العامة أمس الأحد إن السلطة لن تحل نفسها لأن أعضاءها متشبثون بمقاعدهم الوثيرة ويتمتعون بامتيازات كثيرة.

المصدر : الجزيرة