رغم المشاكل العديدة التي يشكو منها قطاع الصحافة والإعلام التونسي في مرحلة ما بعد الثورة، فإن تلك المشاكل لم تلق حظها من الاهتمام بانتخابات نقابة الصحفيين وطغت المصالح الانتخابية على العملية برمتها.

خميس بن بريك-تونس

انتخب الصحفيون التونسيون مساء الأحد مكتبا تنفيذيا جديدا لنقابة الصحفيين، وجاء الفوز من نصيب قائمة وحدة الصف الصحفي والقائمة المهنية المستقلة لخدمة الصحفيين ورد الاعتبار. 

وقد طغى التنافس على القيادة في العملية الانتخابية على حساب القضايا والرهانات المفصلية التي يحتاجها القطاع لإصلاح أوضاعه بعد الثورة. 

وفاز سبعة أعضاء من قائمة وحدة الصف الصحفي التي يتزعمها نقيب الصحفيين السابق ناجي البغوري، بينما فاز عضوان من القائمة المهنية المستقلة لخدمة الصحفيين ورد الاعتبار التي ترأسها سيدة الهمامي. ولم يفز في انتخابات النقابة أي مرشح مستقل خارج هاتين القائمتين. 

ويعود النقيب السابق البغوري -الذي فاز برئاسة أول نقابة للصحفيين تأسست قبل ستة أعوام- ليقود مرة ثانية نقابة الصحفيين في ولاية تمتد ثلاث سنوات وببرنامج يسعى من خلاله إلى رأب الصدع بين الصحفيين وتطوير أوضاعهم المهنية والمادية. 

ويقرّ البغوري -في حديث للجزيرة نت- بوجود انقسامات حادة داخل نقابة الصحفيين وداخل القطاع ككل، مشيرا إلى أن تلك الانقسامات طغت على أجواء المؤتمر حيث "أولى الصحفيون اهتماما أكبر للحسابات الانتخابية على حساب القضايا والرهانات المصيرية المتعلقة بالقطاع". 

التجاذبات الانتخابية طغت على المحتوى الإعلامي لهذا المؤتمر الذي سيخرج بمكتب تنفيذي ضعيف تتجاذبه عديد القوى

خارطة طريق
ويقول البغوري إن الصحفيين خصصوا وقتا طويلا للحديث عن الطعون التي لها علاقة بالترشحات وتقييم أداء المكتب التنفيذي السابق، منتقدا تغييبهم الحديث عن اللائحة المهنية والعامة التي قال إنها أهم المسائل التي ستحدد خارطة طريق عمل المكتب التنفيذي الجديد. 

ويشترك معه في الرأي رئيس مركز تونس لحرية الصحافة فاهم بوكدوس الذي أكد للجزيرة نت أنّ القضايا الساخنة التي تهم قطاع الإعلام والقضايا المهنية والمنوال الاقتصادي للمؤسسات والتعديل الذاتي قد تمّ تهميشها وتغييبها ليختزل النقاش في المؤتمر حول الحسابات الانتخابية، وفق قوله. 

ويضيف "التجاذبات الانتخابية طغت على المحتوى الإعلامي لهذا المؤتمر الذي سيخرج بمكتب تنفيذي ضعيف تتجاذبه عديد القوى" مشيرا إلى أن هذه التجاذبات تعكس الانقسامات الموجودة في الشارع التونسي وتعكس صراع المواقع الدائر بين رجال السياسة ورجال الأعمال. 

من جانبه، يقول منجي الخضراوي (عضو بالمكتب التنفيذي المنصرف) إنّه لم يلاحظ خلال المؤتمر وجود برامج تتصارع لبناء نقابة قوية تسعى لإصلاح أوضاع الصحفيين، وإنما "أشخاصا منقسمين يتصارعون على المواقع إلى درجة أن نقاشهم يتحول أحيانا إلى غوغاء". 

وحول أسباب هذه الصراعات، يقول للجزيرة نت إن هناك أسبابا يتحمل مسؤوليتها المكتب التنفيذي المنصرف، لكنه يقول إن الإشكال مرتبط أساسا بأزمة هيكلية تنخر قطاع الصحافة ولها علاقة بتراجع المستوى العلمي والمعرفي والنقابي لدى العديد منهم. 

كيف يجرؤ اتحاد الشغل على هذا الصنيع وهو الذي يدعو إلى وحدة الطبقة العاملة والشغيلة في البلاد؟

فترة انتقالية
وحول تقييمه لأداء المكتب التنفيذي المنصرف الذي يرى البعض أنه لم يقدم ما يكفي من إنجازات، يقول الخضراوي إن المكتب السابق انتخب بعد الثورة في فترة انتقالية صعبة "ورغم ذلك فإنه نجح في إدارة معركة حرية التعبير والضغط من أجل إقرار قوانين تضمن الحريات". 

وعند سؤاله عما إذا كان المكتب التنفيذي الجديد قادرا على حلّ مشاكل القطاع، يقول الخضراوي إنّ توحيد القطاع وتطوير أوضاع الصحفيين لن يكونا مهمة سهلة، مؤكدا أن أخطر الملفات الحارقة التي سيواجهها المكتب الجديد هو حماية مكاسب الصحفيين على المستوى التشريعي. 

من جانبه، يقول بوكدوس إنّ المكاتب السابقة لنقابة الصحفيين لم تستطع إيجاد إستراتيجية للنهوض بالقطاع وعمدت إلى معالجات آنية وظرفية، مؤكدا أنّ المكتب الجديد لن يحل إلا الجزء القليل من المشاكل العالقة والتي ما زالت بيد السلطات المتنفذة، وفق رأيه. 

لكن البغوري يقول للجزيرة نت إن المكتب الجديد سيعمل على تذليل الصعوبات في الفترة المقبلة ولم شمل الصحفيين لبناء نقابة قوية، ومعالجة الملفات العاجلة وعلى رأسها الأوضاع المزرية التي مازال يعيشها عديد الصحفيين بسبب تدني الأجور.

وتبقى مسألة وحدة صف الصحفيين التونسيين تؤرق كثيرا المكتب الجديد خاصة في ظلّ إعلان الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر نقابة مهنية) عن فصل نقابة الثقافة والإعلام، واستعداده لعقد مؤتمر تأسيسي لنقابة الإعلام، وهو ما يهدد قطاع الصحفيين بالتشتت. 

وفي هذا الاتجاه، يقول الخضراوي للجزيرة نت إن تأسيس نقابة للإعلام تحت لواء اتحاد الشغل يهدد وحدة قطاع الإعلام، متسائلا "كيف يجرؤ اتحاد الشغل على هذا الصنيع وهو الذي يدعو إلى وحدة الطبقة العاملة والشغيلة في البلاد؟".

المصدر : الجزيرة