يلقى الانقلاب الذي أطاح بمحمد مرسي الذي كان أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر رفضا شعبيا في تركيا، حيث يقيم المواطنون الأتراك منذ عشرة أشهر فعاليات احتجاجية مستمرة مطالبين بعودة الديمقراطية إلى هذا البلد.

خليل مبروك-إسطنبول


تشهد تركيا حراكا شعبيا رافضا لإسقاط الشرعية الديمقراطية في مصر منذ انقلاب الثالث من يوليو/ تموز الماضي. وأضافت أحكام الإعدام التي أصدرها القضاء المصري الشهر الماضي بحق 529 من معارضي الانقلاب العسكري مزيدا من الزخم لهذا الحراك الذي لم يخب منذ عشرة أشهر.

وتجمع آلاف المتظاهرين أمس الأحد في صفا كوي بمدينة إسطنبول العاصمة الاقتصادية لتركيا في وقفةٍ شعبية أطلقوا خلالها هتافات عبرت عن غضبهم واستنكارهم لتولي سلطات انقلابية زمام الحكم في مصر بدل سلطة انتخبت ديمقراطيا. ورفع المتظاهرون الأعلام المصرية وشارات رابعة، داعين لإلغاء أحكام الإعدام وإنهاء الانقلاب.

وخيم الصمت على مجموعةٍ من المشاركين بالوقفة ارتدى عناصرها الأكفان، ووقفوا أمام أعواد مشانق أقاموها في مكان الاعتصام كرمز للتعبير عن تضامنهم مع المصريين المحكومين بالإعدام، وفي الخلفية لافتة حمراء كتب عليها عبارة "السيسي قاتل.. الأسد قاتل" في إشارة لوزير الدفاع المصري المستقيل عبد الفتاح السيسي والرئيس السوري بشار الأسد.

تشهد تركيا موجات تعاطف مع الرئيس المصري المعزول محمد مرسي (رويترز)

وتعد الوقفات المسرحية الرمزية التي تجسد "أعواد المشانق" المصرية من أبرز أشكال التعبير عن التضامن الشعبي التركي مع قضية المحكومين بالإعدام في مصر، إذ شهدت منطقة سلطان أحمد وقفةً مشابهةً نظمتها جمعية شباب الأناضول الأربعاء الماضي، وأقيمت في منطقة جامع الفاتح وقفة أخرى يوم الجمعة الماضي.

وقد تخلل الوقفتين ارتداء عشرات النشطاء للأكفان التي ترمز لتضامنهم مع المحكومين بالإعدام في مصر.

وبينما شد منظر الأكفان أنظار المشاركين في الوقفة، كانت أصوات الهتافات تعلو في حماسٍ مستمر تتخلله فترات هدوء هي أشبه باستراحة المحارب.

أكفان وأعواد مشانق
ونفذ المتظاهرون في وقفة الأمس فعالية رمزية أقاموها على منصةٍ ارتفعت فوق منصة للإعدام وقف عليها ثلاثة رجالٍ أغلق أحدهم عينيه والثاني فمه والثالث أذنيه بعصاباتٍ سوداء.

وقال سرجان راتيكين (أحد منظمي الوقفة) أن أول هؤلاء الثلاثة يمثل الغرب الذي لا يريد أن يرى أن ما جرى ويجري في مصر هو انقلاب، والثاني هو المؤسسات الدولية التي تلوذ بالصمت فلا تنطق بكلمةٍ تدين جرائم الانقلاب، أما الثالث فيرمز للقضاء المصري الذي يصم أذنيه أمام ما يقوله من يعرضون أمامه من رافضي الانقلاب ويصدر بحقهم أحكام الإعدام.

وتجلت رمزية المشهد المصري في كلمةٍ ألقاها عضو لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشعب عادل راشد، قال فيها إن سفينة نوح التي نجت فيها البشرية حطت في تركيا، كما ستحط سفينة نجاة الأحرار رحالها اليوم في ذات البلد.

وتحدى راشد المرشح الرئاسي السيسي قائلاً "هل ستلجأ إلى إسرائيل لتعصمك من الأحرار؟ أم إلى القضاء ليعصمك بأحكام الإعدام على الثوار؟".

الثورة السورية حاضرة في مظاهرات
التأييد لثورات الربيع العربي ( الأوروبية)

الموقف التركي
وينسجم الموقف الشعبي المتضامن مع المحكومين بالإعدام في مصر مع موقف تركيا الرسمي تجاه انقلاب الثالث من يوليو/ تموز الماضي، والذي انتقده رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وأدانه وزير الخارجية أحمد داود أوغلو والبرلمان التركي أيضاً.

وقال مراد كوليب أحد منظمي الوقفة الشعبية التي شهدتها منطقة صفاكوي للجزيرة نت إن الشعب التركي سيواصل تحركه في نصرة "المظلومين" في مصر بدافع الأخوة والروابط بين الشعبين، وأضاف وهو يرفع شارة رابعة أن "تركيا لن تتخلى عن موقفها هذا أبداً".

من ناحيته، اعتبر الناشط المصري عبد الحميد جمال التفاعل التركي الكبير مع الأحداث التي تشهدها مصر أمراً طبيعياً بالنظر لتشابه التجربتين، مضيفاً أن تركيا عانت من مرارة الانقلابات العسكرية لزمنٍ طويلٍ ألقيت فيه البلاد في حكم العسكر، في إشارة إلى الانقلابات التي شهدتها تركيا في النصف الثاني من القرن العشرين.

وأضاف جمال في حديثه للجزيرة نت أن الأتراك أكثر من يفهم الفارق بين حكم العسكر المرير والحكم المدني الدمقراطي الذي حكم بلادهم في السنين الماضية وقادها نحو النهضة والتقدم والرفعة.

الانقلاب هو القضية المركزية، أما موضوع الإعدامات فهو القضية التي ترمز لها، وكل ما ترتب على الانقلاب من قرارات وأوامر ستزول مع انكساره

حراك مستمر
أما ياسين شاهين أحد المشاركين في الوقفة، فقال إنه حضر ليعلن احتجاجه على قرار إعدام 529 "أخاً مصرياً" مؤكداً أن هذا موقف مبدئيٌ تتشارك في حمله الحكومة والشعب التركي وكافة الأحزاب.

وأكد أن تركيا لن تهدأ دون أن يتحقق الأمن في مصر، وقبل أن تعود الشرعية لأهلها في إشارةٍ للرئيس المعزول محمد مرسي الذي كان أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر.

وفي حديث مع المواطن المصري عبد الحميد جمال، توقع أن يستمر الحراك الشعبي التضامني مع مصر في تركيا حتى ينكسر الانقلاب، وقال "الانقلاب هو القضية المركزية، أما موضوع الإعدامات فهو القضية التي ترمز لها، وكل ما ترتب على الانقلاب من قرارات وأوامر ستزول مع انكساره".

وأكد جمال أن الجالية المصرية تتعاون مع المواطنين الأتراك في كافة الفعاليات والأنشطة التي تقام تضامناً مع مصر، ولرفض الانقلاب وتداعياته.

ويظهر الأتراك تعاطفاً كبيراً مع القضايا العربية لا سيما نزاع الشرعية والانقلاب في مصر، لكن قرارات الإعدام جعلت بينهم حافزاً جديداً لمواصلة الحراك بدت صورة المشنقة فيه أيقونةً واضحة الدلالات.

المصدر : الجزيرة