يبدو أن الحكومة الأوكرانية لا تثق كثيرا في صدق نوايا موسكو لتهدئة الحراك الانفصالي، كما لا يثق "الانفصاليون" في سلطات كييف أيضا، فهي انقلابية بنظرهم. حالة عدم الثقة هذه تأتي بعد أيام من توقيع اتفاق في جنيف لحل الأزمة.

محمد صفوان جولاق-أوكرانيا

رغم اتفاق الخميس الماضي في جنيف لحل الأزمة، تعلن أوكرانيا أن عمليات "محاربة الإرهاب" مستمرة لإخماد الحراك الانفصالي في جنوب شرق البلاد، ويعلن "الانفصاليون" في منطقة دونيتسك استمرار احتلال المباني الحكومية في عدة مدن.

لا تثق كييف -على ما يبدو- في صدق نوايا موسكو لتهدئة الحراك الانفصالي الذي تغذيه، ولا يثق "الانفصاليون" في سلطات كييف أيضا، فهي انقلابية في نظرهم، وعليها البدء بإخلاء المقرات ليتخذوا بدورهم خطوات مماثلة.

اتفاق جنيف يبقى هشا إذن، ولا يمكن تطبيقه سريعا على الأرض المشحونة، والهوة تبقى كبيرة بين السلطات من جهة، وبين روسيا والموالين لها من جهة أخرى.

المصالح والثقافة
ولعكس حجم هذه الهوة على حقيقتها، زارت الجزيرة نت بلدة "خارتسيسك" قرب مدينة دونيتسك، وهي بلدة صغيرة لا تشهد حراكا انفصاليا، لكن بها مناجم فحم وعدة مصانع، تعبر عن واقع وأهمية مدن الشرق لأوكرانيا.

معظم السكان هنا يحملون بشدة على سلطات كييف، ومنهم سيرغي صاحب مصنع لإنتاج الورق، الذي قال للجزيرة نت "السلطات في كييف عمياء، تنظر إلينا جميعا كانفصاليين إذا ما تحدثنا عن مصالحنا الاقتصادية والثقافية، وتحرك القوات لمحاربتنا، فكيف يمكن أن نقبلها".

ويضيف "أنا أوكراني أتحدث الروسية، أستورد من روسيا بعض المواد وأصدر إليها الورق، فأي مستقبل ينتظرني وينتظر أبنائي والآخرين إذا استمرت السلطات في سياساتها ضد روسيا؟ هي تمثل مدن الغرب الأوكراني، وتعمل لصالح دول الغرب، ولذلك علينا أن ننظم استفتاء يقرر مصيرنا: فإما الفيدرالية، أو الهوية الروسية".

كوهوت: السلطات أخطأت برد كل الحراك الشعبي بشرق البلاد إلى روسيا فقط (الجزيرة)

إنكار الواقع
ويرى مراقبون أن أوكرانيا تواجه واقعا تنكره إلى حد ما، بالإضافة إلى مواجهتها الحراك الانفصالي والدعم الروسي غير المعلن له.

يقول رئيس مركز التشريع السياسي في العاصمة كييف إيغور كوهوت إن على السلطات أن تبدأ حوارا مع النخب والعامة في جميع المناطق، لأن الواقع يقول إن السلطات وليدة احتجاجات شاركت فيها مناطق الغرب بشكل رئيسي، وتلقى رفضا وشكوكا واسعين في مناطق الشرق.

وأضاف للجزيرة نت "السلطات أخطأت برد كل الحراك الشعبي في شرق البلاد إلى روسيا فقط، وباعتباره حراكا انفصاليا. روسيا ضالعة بما يجري، ولكن التعميم والمواجهة الأمنية والعسكرية يزيدان المشكلة تعقيدا، ويخدمان في النهاية المصالح الروسية. على كييف أن تعي وتفرق بين حراك انفصالي تدعمه روسيا، واحتجاجات غضب مشروعة تواجهها".

الصرامة
لكن آخرين يعتبرون أن تعامل السلطات مع حراك الشرق حازم لضرورة فرضتها الأحداث، وفي توقيت تتجه فيه الأمور نحو تكرار سيناريو انفصال القرم.

من جهته، يقول مدير معهد التحليل السياسي في كييف أوليكسي غاران إن سكان الشرق غيبوا بسبب وسائل الإعلام الروسية وبعض الساسة عن واقع الاحتجاجات في كييف، والهوة الحالية بينهم وبين السلطات مصطنعة، يمكن سدها بالحوار الذي يجب أن يتم وسينجح، على حد قوله.

وأضاف للجزيرة نت "الحراك في شرق البلاد يسير على خطى القرم، وبمشاركة مسلحين مجهولين ظهروا فجأة كما ظهروا في القرم، ولذلك فإن التعامل الصارم كان خير وسيلة للحفاظ على وحدة البلاد، وسيبقى كذلك إذا فشل تطبيق اتفاق جنيف".

المصدر : الجزيرة