تقف مقبرة سربرنيتشا شاهدا على فظاعة المذبحة التي ارتكبها الصرب في صيف 1995 حيث تضم رفات أكثر من ستة آلاف من مجمل الضحايا الذين وصل عددهم المؤكد إلى 8732 قتيلا.

محمد طارق-سراييفو

ما زالت رفات ضحايا حرب البلقان تنكأ جراح البوسنيين بعد مرور نحو عقدين على انتهائها بمعاهدة دايتون للسلام عام 1995, التي أسدلت الستار على أبشع صور التطهير العرقي في القرن الماضي.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي اكتشفت رفات لضحايا مجازر الصرب في البوسنة في مقبرة توماشكا الجماعية قرب مدينة بريدور البوسنية. وقال شهود إنها قد تحوي رفات أكثر من ألف من البوسنيين والكروات الذين قتلوا في الحرب في 1992.

ومقبرة توماشكا واحدة من عدة مقابر اكتشفت بعد انتهاء الحرب لكنها الأكبر منذ مجزرة سربرنيتشا التي ارتكبها الصرب في صيف 1995. وينفي الصربيون إلى اليوم مسؤوليتهم عن المجزرة بينما يطالب البوسنيون الذين نجوا بتحقيق العدالة وبمحاكمة المسؤولين.

علي توباكوفيتش: 18 ألف جندي صربي شاركوا في المذبحة (الجزيرة)

أرقام وضحايا
وتقف مقبرة سربرنيتشا شاهدا على فظاعة المذبحة حيث تضم رفات أكثر من ستة آلاف من مجمل الضحايا الذين وصل عددهم المؤكد إلى ثمانية آلاف و732.

ويقول تشامل دوراكوفيتش عمدة منطقة بودرينيه -حيث تقع سربرنيتشا, على بعد 164 كيلومترا شمال شرق العاصمة سراييفو- إن هناك أربعة آلاف و500 شخص ما زالوا في عداد المفقودين.
 
أما حلمه فهو رؤية العدالة تتحقق "بحق العديد من الصرب الذين شاركوا في المجزرة ولم تطلهم يد القانون". ويضيف للجزيرة نت "نحن لم ننس ولن نغفر للمجرمين الذين اشتركوا في المذبحة".

ويشاركه هذا الحلم مدير المركز الإسلامي في سربرنيتشا علي توباكوفيتش. ويقول إن الصرب لا يقولون الحقيقة فيما يتعلق بمسؤوليتهم عن المجازر. ويذكر أن وثائق مؤكدة لدى صربيا تشير إلى اشتراك 18 ألف جندي صربي في مذبحة سربرنيتشا.

خديجة محميدوفيتش شاهدة على مجزرة سبرنتسا (الجزيرة)

شاهدة
أما خديجة محميدوفيتش فتعيش بمفردها بعد أن فقدت زوجها وابنيها واثنين من أبنائهم إضافة إلى أخويها في مجزرة سربرنيتشا.

وتضيف أنها تلقت مؤخرا إشعارا من الشرطة الصربية في جمهورية صربسكا -أي جمهورية صرب البوسنة حيث تقع سربرنيتشا- للمثول أمام إحدى المراكز بسبب سعيها مع مجموعة من الناشطات لإحياء ذكرى اعتقال مجموعات من الرجال البوسنيين في يوليو/تموز 1995 في منطقة كرافيتسا قرب سربرنيتشا قبل إعدامهم.

وتضيف خديجة "لقد أصبحت الحياة بالنسبة لي لا تعني سوى العذاب"، وتؤكد استمرارها في الكفاح لمعرفة حقيقة ما حدث في مجزرة سربرنيتشا رغم الضغوط التي تمارسها حكومة صرب البوسنة للحيلولة دون ذلك.

شعور مماثل يعبر عنه حسن حسنوفيتش الذي فقد أباه وشقيقه وعاد بعد نحو 15 سنة من اللجوء ليجد صعوبة في إيجاد عمل. يقول حسن إن الصرب ما زالوا ينكرون مسؤوليتهم عن المجزرة رغم أنه يذكر أن معظم سكان منطقة بودرينيه من الصرب هربوا إلى صربيا قبل حدوث المجزرة ولم يبق فيها إلا المسلمون. ويضيف "لا مانع عندي من التعايش لكن الجانب الآخر ما زال يمارس الضغوط علينا ويضع العقبات للحيلولة دون عودة النازحين".

ويرى دوراكوفيتش أن التعايش بين البوسنيين والصرب في جمهورية صربسكا أمر لا مفر منه. لكنه يرفض "التعايش مع أولئك الذين شاركوا في ارتكاب المجازر".

تشامل دوراكوفيتش يؤكد حتمية التعايش(الجزيرة)

حتمية التعايش
ويؤكد إن منصبه الذي حصل عليه بالانتخاب يحتم عليه العمل في منطقة بودرينيه لمصلحة البوسنيين والصرب معا. وقد قام بتعيين نائب صربي له "للعمل لمصلحة الطرفين ولبناء مستقبل أفضل". ويعترف بصعوبة مهمته, لكنه يقول إنه لا يوجد حل آخر غير التعايش.
 
ويضيف أن حكومة جمهورية صربسكا تضع العراقيل أمام عودة نحو 250 ألفا من البوسنيين الذين تركوا بودرينيه خشية عودة الأغلبية المسلمة بالمنطقة التي تتاخم حدود صربيا" وتحملت العبء الأكبر عند بدء الهجوم الصربي في بداية الحرب في 1992 بسبب القرب الجغرافي من صربيا".

ويعيش في سربرنيتشا حاليا ما بين سبعة آلاف وعشرة آلاف شخص من البوسنيين والصرب, يمثل الصرب 70% منهم بينما يمثل البوسنيون النسبة المتبقية، في حين أن عدد سكان المدينة قبل الحرب وصل إلى 36 ألفا و666 مثل البوشناق أو البوسنيون 80% منهم.

وتسعى بلدية بودرينيه لإعادة بناء أكثر من ستة آلاف و500 منزل دمرتها الحرب وإعادة إنشاء مناطق صناعية ازدهرت منذ عهد يوغسلافيا السابقة. لكن دوراكوفيتش يقول إن المهمة صعبة بسبب عدم كفاية الأموال التي تقدمها الحكومة الاتحادية والتبرعات الدولية لتوفير الوظائف وتنفيذ المشروعات التي تشجع النازحين على العودة. ولم تستطع البلدية بناء أكثر من 15 منزلا في السنة.

المصدر : الجزيرة