ياسر العرامي-واشنطن

باتت عملية ترحيل المهاجرين غير الشرعيين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الولايات المتحدة هذه الأيام، بعدما كشفت إحصائيات رسمية تزايد عمليات الترحيل خلال ولاية الرئيس باراك أوباما، في تناقض صارخ لتوجهاته المعلنة بإصلاح شامل لقوانين الهجرة.

ويعيش في الولايات المتحدة نحو 11 مليون مهاجر بطريقة غير شرعية بحسب الإحصاءات الحكومية، وأغلب هؤلاء المهاجرين من أصول لاتينية.

وكانت صحيفة نيويورك تايمز كشفت الأسبوع الماضي تزايد وتيرة ترحيل المهاجرين غير الشرعيين من الولايات المتحدة في عهد أوباما، وأنه خلافاً لتأكيداته فإن قطاعا كبيرا من المهاجرين الذين تم ترحيلهم ارتكبوا فقط مخالفات بسيطة وليس جرائم خطيرة.

ويبرر الرئيس أوباما ذلك بأنه يتم وفق إجراءات تتعلق بحفظ الأمن، وقال في تصريحات سابقة له إن الحكومة تلاحق المجرمين والأشخاص الذين يضرون بالمجتمع وليس الطلاب أو الأشخاص الموجودين في أميركا لمجرد أنهم يحاولون البحث عن طريقة لإطعام أسرهم.
ميرلينا هينكابي (الجزيرة نت)
مخالفات بسيطة
لكن التحليل الذي نشرته الصحيفة الأميركية من واقع السجلات الداخلية للحكومة أوضح أنه تم ترحيل نحو مليوني مهاجر غير شرعي منذ تولي الرئيس أوباما منصبه، وأن ثلثي هؤلاء رُحلوا بسبب ارتكابهم مخالفات مرورية بسيطة. كما أظهرت السجلات أن 20% فقط من المرحلين -أي 394 ألفا- هم من أدينوا بارتكاب جرائم خطيرة، من بينها الجرائم المتعلقة بالمخدرات.

وكشف تقرير آخر أصدرته الخميس الماضي جامعة سيراكيوز -وهي جامعة بحثية خاصة مقرها نيويورك- ترحيل نحو 410 آلاف مهاجر غير شرعي خلال العام 2012، بينما انخفض العدد في العام 2013 ليبلغ 368 ألف مهاجر.

ويظهر التقرير الذي يستند إلى سجلات وكالة الهجرة والجمارك واطلعت الجزيرة نت على نسخة منه، أن 94% من المهاجرين غير الشرعيين المرحلين من الولايات المتحدة خلال العام 2013 ينتمون إلى أربع دول في أميركا اللاتينية تتصدرها المكسيك ثم غواتيمالا والهندوراس والسلفادور، تليها بنسب أقل جمهورية الدومينيكان، والإكوادور والبرازيل وكولومبيا ونيكاراغوا وجامايكا ثم الصين.

وانتقدت مديرة مركز قانون الهجرة الوطني ميرلينا هينكابي تزايد أعداد المرحلين في عهد الرئيس أوباما، معتبرة في حديثها للجزيرة نت أن "تزايد أعداد الترحيل أكثر من مجرد إحصائيات، بل تمثل أزمة أخلاقية في أميركا".

وأضافت "خلال ولاية أوباما تحطمت حياة مليوني شخص بسبب سياسات الترحيل، وأضعفت قيم بلدنا المتعلقة بإجراءات التقاضي السليمة والمساواة في القانون".

وبحسب المتحدثة فإن الكونغرس أيضاً يتحمل مسؤولية حيث إن قيادة مجلس النواب تفتقر إلى الإرادة السياسية للعمل من أجل إقرار قانون إصلاح الهجرة. ولفتت إلى أن الكونغرس بدلاً من ذلك مستمر في إقرار موازنة مكلفة اقتصادياً تبلغ 18 مليار سنوياً لتمويل عمليات الترحيل.
رودي لوبيز (الجزيرة نت)
ترحيل يومي
أما الناشط في حركة الإصلاح العادل للهجرة رودي لوبيز فأرجع المشكلة إلى قانون الهجرة الذي "عفى عليه الزمن منذ سنوات طويلة". وأضاف "نتيجة لهذا القانون نعاني من سياسات قائمة على استمرار فصل الأسر عن بعضها، ويدفع ثمن ذلك دافعو الضرائب".

وقال لوبيز للجزيرة نت إنه يجري تدمير أسر المهاجرين بوتيرة عالية، لافتاً إلى وجود أكثر من ألف عملية ترحيل تجري بشكل يومي، وهو ما يعني فقدان مئات الأطفال لأمهاتهم أو آبائهم أو تفريق الزوجين.

ولفت إلى أن منظمته تسعى في الوقت الراهن للضغط على الجمهوريين من أجل تمرير قانون إصلاح شامل للهجرة في مجلس النواب، وفي الوقت نفسه تحث الرئيس أوباما على تخفيف الضغط على المهاجرين غير الشرعيين حتى يتم إصلاح القانون الذي بموجبه سُيمنحون فرصة للحصول على الإقامة الشرعية وفقاً لشروط معينة.

من جانبه، أوضح كبير الباحثين بمجلس الهجرة الأميركي والتز يوينغ أن حملة الترحيل قائمة على نطاق واسع تحت برنامج يسمى "المجتمعات الآمنة" ويشمل حتى المهاجرين القانونيين الذين يحملون بطاقات الإقامة الدائمة. وهو برنامج تم إقراره عام 2008 ويتيح ترحيل المهاجرين لأسباب تتعلق بمحاربة الجريمة والإرهاب. إلا أن يوينغ أكد أن غالبية المهاجرين المبعدين ليسوا مجرمين عنيفين، بل ضحايا قوانين وسياسات الهجرة.

سلطة تقديرية
وعن مواقف الحزبين الجمهوري والديمقراطي من هذه القضية، قال يوينغ للجزيرة نت إن الحزب الديمقراطي يدعم إصلاح قوانين الهجرة بما في ذلك إضفاء الصفة القانونية للمهاجرين غير الشرعيين، بينما يشهد الحزب الجمهوري انقساماً في صفوفه بين داعم لبعض جوانب الإصلاح وآخرين يعارضونها بشدة.

واتفقت باحثة علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا لورا أنريكيز بأن ارتفاع عملية الترحيل ترجع إلى تطبيق برنامج داخلي لوكالة الهجرة والجمارك وهو برنامج "المجتمعات الآمنة"، موضحة أنه يختص بحماية المجتمع من الجرائم والمخاطر المحتملة، وتتم عملية الترحيل تحت هذه الأسباب.

غير أنها لفتت إلى أن هذا القانون يمنح وكالة الهجرة سلطة تقديرية واسعة في تصنيف خطورة الجرائم حتى تلك البسيطة مثل المخالفات المروية، وتحديد ما إن كان ينبغي إصدار تهمة بحق مرتكب هذه المخالفة وترحيله.

وحملت أنريكيز الحزبين الجمهوري والديمقراطي المسؤولية، قائلة إن الجمهوريين يحاولون إلقاء اللوم على المهاجرين وتشويه صورتهم، بينما لا يمتلك الديمقراطيون صوتاً مؤثراً في مجلس النواب للمضي قدماً في إصلاح قانون الهجرة.

المصدر : الجزيرة