لا تقتصر آثار قصف قوات النظام السوري للمدنيين فقط على زيادة أعداد القتلى أو الجرحى، وتدمير المدن والقرى، بل تتخطى ذلك كله إلى آثار نفسية سلبية على أطفال تفتحت أعينهم على وقع قذائف الهاون، كما هو حال الطفلة شهد.

محمد النجار-الرمثا

على الرغم من مرور نحو عامين على حادثة سقوط قذيفة هاون على منزلها بمنطقة إمام المياذن بدرعا، لا تزال الطفلة السورية شهد بعيدة عن استكمال علاجها لاستعادة نطق الحروف نطقا سليما، حيث فقدت النطق تماماً اعتبارا من يونيو/حزيران ٢٠١٢، ولم تستعد النطق إلا بخمسة حروف بعد عامين من العلاج، عوضا عن تشخيص الأطباء النفسيين لها بفقدان مرحلة من عمرها حيث عادت لمرحلة الطفولة المبكرة رغم بلوغها الأربعة أعوام ونصف العام من عمرها اليوم.

في مدينة الرمثا الواقعة على الحدود الأردنية الشمالية مع سوريا، تعيش شهد مع والديها وأفراد عائلتها في مخزن كان مخصصا لمحل تجاري، قبل أن يتحول لما يشبه المنزل، يتوفر فيه قدر بسيط جداً من الأثاث المهترئ الذي يفسر حالة لعائلة سورية غادرت وطنها دون أي مقومات للعيش.

تعاني الطفلة السورية من اضطرابات نفسية وسلوكية، وباتت أقرب للانطوائية وأحيانا للعدوانية وحب تملك الأشياء وعدم مشاركة أقرانها باللعب.

والدة شهد قالت إن طفلتها تعيش على وقع الرعب الذي عاشته يوم قصف منزلهم (الجزيرة)

آثار الرعب
والدة شهد وتدعى ماجدة قالت للجزيرة نت إن طفلتها لا تزال تعيش على وقع الرعب الذي عاشته يوم أن قُصف منزلهم بقذيفة هاون، وتلفت إلى أنها تفزع إذا ما سمعت أي صوت قوي، وحدث أن بكت بشدة يوم أن أُطلقت ألعاب نارية في أحد الأعراس القريبة، بل إنها مرت بحالة شديدة من الرعب عندما وجه أحد الأطفال ضوء ليزر نحوها حيث كانت تصرخ بكلمة غير مكتملة "ناص"، إشارة منها لكلمة "قناص".

وتتحدث أم شهد عن المعاناة التي وجدتها مع طفلتها بعد أن أخبرها الأطباء في مركز الدعم النفسي التابع لمنظمة "أنترناشيونال ميديكال كوربس"، أن ابنتها فقدت مرحلة من عمرها وعادت للطفولة المبكرة، حيث باتت تعاني من التبول اللاإرادي ومن تصرفات الأطفال الحديثي الولادة، عوضا عن عدم انسجامها في اللهو مع الأطفال المماثلين لها في العمر.

أما والد شهد فأجرى أمام الجزيرة نت اختبارا للكلمات الأكثر إثارة لرعب طفلته، فبدأت تبكي عندما قال لها "سأذهب لسوريا"، كما أبدت ردود فعل غاضبة أو تعبيرا عن الخوف حد البكاء عندما ردد أمامها كلمات "قصف، قذيفة، قناص".

الطفل محمد يتلقى برامج للرعاية النفسية في مركز للعلاج بالزرقاء (الجزيرة)

دعم نفسي
في أحد مراكز العلاج التابعة للمنظمة في مدينة الزرقاء شرقي العاصمة عمان، اطلعت الجزيرة نت على برامج الدعم النفسي للأطفال الذين يصنفون ضحايا للحرب في سوريا، حيث يقوم المركز إلى جانب فروع أخرى له في عدد من مناطق المملكة بالإشراف على علاج عشرات الآلاف من الأطفال السوريين.

أحد المتخصصين المشرفين على علاج الأطفال تحدث عن استقبال المركز لنحو أربعين طفلا سوريا يعانون من اضطرابات نفسية أسبوعيا، في حين تستقبل مراكز أخرى تابعة للمنظمة في مخيم الزعتري ومناطق انتشار اللاجئين السوريين أعدادا متفاوتة.

في مركز المنظمة بالرمثا تحدثت للجزيرة نت منار عواد وهي إحدى المشرفات على برامج الدعم النفسي في المنظمة.

عواد قالت للجزيرة نت "نستقبل حالات متفاوتة من الأطفال السوريين، حيث نتعامل مع أخطر الحالات وهي التي يمكن أن تؤدي بالأطفال الذين يعانون اضطرابات نفسية لتوجيه الأذى نحو أنفسهم، وأقلها خطرا هو العدوانية تجاه الغير".

منار عواد: أعداد الأطفال الذين يعانون اضطرابات ستزداد ما لم تنتهي الحرب (الجزيرة)

ملايين الأطفال يعانون
وتلفت إلى أن المشرفين يفضلون العلاج بالجلسات والبعيد عن الأدوية بالنسبة للأطفال، فضلا عن إعادة دمج الأطفال في محيط مماثل لهم وعبر أنشطة وألعاب تبتعد بهم عن صور الحرب التي عاشوها.

وتؤكد المشرفة النفسية أن أعداد الأطفال الذين يعانون اضطرابات نفسية ستظل في تزايد طالما هناك حرب قائمة في سوريا.

وتقدر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) عدد الأطفال السوريين الذين يعانون من اضطرابات نفسية بنحو مليونين من بين أكثر من 5.5 ملايين طفل باتوا من ضحايا الحرب المستمرة في سوريا، يعاني أكثرهم من اضطرابات عاطفية ونفسية.

ويحذر تقرير للمنظمة صدر الشهر الماضي من أن مستقبل 5.5 ملايين طفل في داخل سوريا ولاجئين في دول الجوار "معلق في الهواء بينما يسبب العنف وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية والضيق النفسي الشديد وتدهور الوضع الاقتصادي للعائلات في تدمير جيل كامل".

أطفال سوريون في أحد مراكز
الدعم النفسي في الزرقاء (الجزيرة)

وينبه التقرير إلى معاناة الأطفال وعائلاتهم العالقين في المناطق الخاضعة للحصار على مدى شهور طويلة، إذ ينقطع أولئك الأطفال عن الإغاثة ويعيشون بين دمار المباني ويعانون للحصول على الطعام، ويعيش الأطفال في تلك المناطق من دون أي نوع من الحماية أو الرعاية الصحية أو الدعم النفسي والوصول المحدود للغاية إلى المدارس.

في بعض الحالات -تعتبر هي الأسوأ- تم استهداف الأطفال والنساء الحوامل عمداً من قبل القناصة مما تسبب في مقتلهم أو إصابتهم بجراح.

أما في الدول المضيفة فقد أصبح 1.2 مليون طفل سوري لاجئين يعيشون في خيام أو في المجتمعات المضيفة التي تعاني هي أيضاً من الضغط، وإمكانية وصول أولئك الأطفال إلى المياه النقية والطعام المغذّي وفرص التعليم محدودة للغاية.

كما يقول التقرير إنه وبعد ثلاثة أعوام اضطر أطفال سوريا إلى أن يكبروا قبل سنهم. وتقدر اليونيسف أن واحداً من بين كل عشرة أطفال يعمل الآن، وأن من بين كل خمس حالات زواج بين اللاجئات السوريات في الأردن فإن حالة واحدة هي لطفلة تحت سن الـ18.

المصدر : الجزيرة