قال أبو جرة سلطاني الوزير الجزائري السابق رئيس حركة حمس السابق إن الانتخابات الرئاسية المرتقبة تبدو محسومة لصالح المرشح عبد العزيز بوتفليقة، مؤكدا أن الجيش له بصمته القوية في تنصيب الرئيس.

حاورته: أميمة أحمد-الجزائر

يعد أبو جرة سلطاني أحد رجالات الحركة الإسلامية في الجزائر منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث تقلد عدة حقائب وزارية، وترأس حركة مجتمع السلم (حمس) خلفا للشيخ محفوظ نحناح مؤسس الحركة، التي شاركت بتحالف رئاسي لدعم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وانسحبت منه لعدم تحقيق "الشراكة السياسية" كما قال في حديث خاص للجزيرة نت، تناول فيه أيضا راهن الجزائر، حيث الانتخابات الرئاسية التي تصفها المعارضة "بتقرير المصير" ويغيب عنها مرشح التيار الإسلامي كي "لا يزكي انتخابات طبق الأصل عن سابقاتها".

وفيما يلي نص الحوار:

 حمس أول حزب إسلامي شارك في السلطة منذ أول انتخابات رئاسية تعددية بالجزائر عام 1995، وحصل الشيخ نحناح على المرتبة الثانية بزهاء ثلاثة ملايين صوت، ثم تتالت المشاركة في الانتخابات التشريعية، ويرى البعض أن هذه المشاركات أضفت الشرعية على النظام، فما ردكم؟

صحيح، لأن أغلب الشعب الجزائري لا يحب أن يكون الإسلاميون في السلطة، اعتادهم في المعارضة، ووجودهم في السلطة إما أن يكونوا بمفردهم وإما ألا يكونوا. التوليفة التي حصلت بين مسميات إسلامي ووطني وديمقراطي (مع أننا لا نفرق بالجزائر بينهم، فكلنا مسلمون) أحدثت رجة في الفكر السياسي لدى شرائح واسعة من التيارات الإسلامية، وتساءلوا كيف يمكن لحركة إسلامية أن تعطي مصداقية للنظام؟ إما أن تأخذوا الدولة وتديروها وحدكم وإما ألا تشاركوا.

والحقيقة أن الشيخ محفوظ نحناح عدّل هذه المعادلة الخاطئة بعبقرية، بأن الجزائر أكبر من أن يحكمها حزب واحد، ومشكلاتها أعقد من أن يحلها تيار واحد، فأحدث ثقافة جديدة تأكد مع الزمن أن الجزائر بحاجة إلى جميع أبنائها، وأن التحالفات مسألة لا بد منها، وتجربة الشيخ نحناح كانت ناجحة جدا، وأسست لمفهوم جديد وهو أن الإسلاميين والوطنيين والديمقراطيين ينبغي أن يتخلوا عن أنانيتهم، ويجتمعوا في كتلة وطنية واحدة من أجل أن يديروا شؤونهم في الجزائر وخارجها.

 تميز الشيخ محفوظ نحناح بعقله التوفيقي بين التيارات داخل الحركة، وبعد وفاته نشبت الخلافات التي أدت لانشقاقات نجم عنها خمسة أحزاب حتى الآن، وهذا يطرح إشكالية الديمقراطية داخل الحركة، هل غاب الحوار بعد وفاة الشيخ نحناح؟ وما تأثير ذلك على المشروع الإسلامي بالجزائر؟

الحوار كان حاضرا، والحركة تديرها مؤسسات، لو أن سوء الفهم كان بين أشخاص لكان ذلك مبررا، لكن الخصومة كانت مع المؤسسات، التي كانت تصدر قراراتها في خياراتها، فلم تعجب بعض الأفراد الذين كانوا يرون أنفسهم أكبر من المؤسسات التي كبروا داخلها، هؤلاء تخطوا قرارات مجلس الشورى الوطني والمكتب الوطني التنفيذي وأودعوا ملفاتهم للخروج بأحزاب كانوا يرون أنها تساهم في حل مشكلات الجزائر، لكن في الميدان وفي انتخابات 2012 كان حصادها هزيلا جدا.

تشرذم الأحزاب الإسلامية دمر المشروع الإسلامي مؤقتا، ولكن سوف ينشأ جيل جديد يتجاوز كل هذه القيادات التاريخية وينشئ كيانات موحدة وفق برامج تعيد للمشروع الإسلامي نضارته وعمقه وزخمه الشعبي.

الجزائر تنتخب رئيسها، تغطية خاصة
اضغط هنا

انتخابات محسومة
 كيف ترى الانتخابات الرئاسية المرتقبة، حيث يصفها المقاطعون بـ"المهزلة الانتخابية"، بينما يسميها المشاركون بـ"انتخابات تقرير المصير"؟

هذه الانتخابات من حملتها تبدو محسومة لصالح المرشح عبد العزيز بوتفليقة، لأنه تم الاستقطاب حول شخصين فقط وأهمل الأربعة الآخرون، لا تكاد تسمع في الإعلام الجزائري والأجنبي إلا الحديث عن رجلين مترشحين هما السيد عبد العزيز بوتفليقة والسيد علي بن فليس، بينما البقية يبدو أنهم دخلوا فقط من أجل تسخين الساحة السياسية، والقيام بدور الأرانب كما يسمون لإعطاء شرعية إضافية لهذه الانتخابات. ونحن على مرمى حجر من النتائج يوم 17 أبريل/نيسان.

 هل تتوقع اضطرابات بعد إعلان النتاج كما توعد بعض المرشحين؟

أتوقع ذلك، ولكن الشعب الجزائري اكتوى بنار المأساة الوطنية، ولن تستمر الاحتجاجات طويلا، قد تأخذ مساحة زمنية محدودة، وحيزا جغرافيا أوسع قليلا مما حصل في الانتخابات الرئاسية 1995 و2004، ولكن لا أعتقد أن الشعب الجزائري يذهب بعيدا، لأننا جربنا المأساة الوطنية ورأينا ما حصل فيها من انفلات أمني وانهيارات اقتصادية، دفعنا فاتورتها غالية جدا.

 فيما لو حُسمت الانتخابات لصالح بوتفليقة كما تقول، هل يسكت منافسه القوي بن فليس؟ وقد قال إنه إذا حدث التزوير فلن يسكت كما سكت في 2004، وهناك من يصرخ "بالويل والثبور وعظائم الأمور" لو حدث تزوير، وأنه سيكون وبالا على الجزائر، هل تمر الأمور بسهولة؟

نحن لا نطالب بالسكوت، ولكن نطالب صاحب الحق بأن يؤطر هذا الاحتجاج، نطالبه أن يطرق على الأبواب التي ينبغي أن يطرقها لتفتح، لا أن يدفع ببعض الشباب لكسرها. وهذا الكلام كما نوجهه لبن فليس نوجهه لبوتفليقة، إذا حصلت معجزة في الجزائر ونجح بن فليس في الدور الأول، نحن نقول للذي هزمته الصناديق أو هزمه التزوير أن يسلك المسالك السلمية والحضارية للتعبير عن حقه، لا أن يسلك المسالك التي قد يستغلها كل ذي مظلمة لهذه الفرصة ويرمي بالزيت على النار، الشعب الجزائري دفع من الفواتير ما يكفيه، أو سدد حتى عن بعض الديمقراطيات الناشئة.

 كانت التوقعات أن تترشح في الانتخابات الرئاسية، التي غاب عنها لأول مرة مرشح للتيار الإسلامي، لماذا غبتم عن الانتخابات؟

حاولنا طرق الأبواب للوصول إلى مرشح توافقي بين الإسلاميين والديمقراطيين، ثم طرقنا أبوابا أخرى للتوصل إلى مرشح إسلامي نزكيه جميعا، لكن الأبواب الأولى وجدناها موصدة، والثانية ظلت مواربة، فرأينا أن الدخول بفارسنا هو مجرد تزكية لانتخابات كنا قد جربناها عدة مرات، في النهاية تحسم لصالح من يُراد أن يُحسم له، ما تغير منطق الانتخابات منذ 1995 إلى اليوم. بوضوح المرشح التوافقي إذا زكته المؤسسة العسكرية فسوف يمر، أما إذا توافق الجميع ولم تزكه المؤسسة العسكرية فلن يمر.

سلطاني: الجيش له بصمته القوية في تنصيب الرئيس (الجزيرة)

دور الجيش
 هذا اعتراف منكم بأن الجيش ما زال يتحكم في مرشح الرئاسة؟

الجيش له بصمته القوية في تنصيب الرئيس، لا أقول يتحكم، ولكن حيث يميل الجيش تميل كفته وترجِح وتتحقق إرادته، لأنه هو من يتحمل مسؤولية الانفلات الأمني إذا فشل الرئيس في إدارة البلاد.

 أثناء وجودك بالسلطة دافعت عن شرعية النظام بشراسة، وفي تصريح لك مؤخرا تصف المشهد السياسي بما فيه النظام بـ"الفاسد"، هل اختلف مشهد اليوم عن المشهد يوم كنت مسؤولا؟

أنا أفرق بين عهدتين تاريخيتين في الجزائر، أثناء حالة الطوارئ والمأساة الوطنية، كنا نلتمس الأعذار لدولتنا ولأنفسنا ولمسؤولينا، تلك مرحلة كان هدفها الأساسي حقن الدماء والوصول بالمصالحة الوطنية إلى منتهاها، انتهت في يناير/كانون الثاني 2011 ، ثم بدأنا مرحلة الإصلاحات الوطنية، وعندئذ تغير الخطاب.

كنا قد منينا بمراجعة الدستور في 2012، وحزمة الإصلاحات القانونية ستجسد في الميدان، وتشاع الحريات، والديمقراطية سوف تكون شفافة والصناديق ستكون هي الفيصل والحكم، كل هذا لم يحصل.

 من أفرغ مضمون الإصلاحات التي أعلنها الرئيس بوتفليقة؟

أعتقد الأغلبية الحاكمة، جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، لأن هذين الحزبين كانا ولا يزالان يشكلان أغلبية في البرلمان، وحين تمر أي إصلاحات ومشاريع قوانين هم الذين يكيفونها وفقا لأنانيتهم السياسية، هم الذين ضيعوا فرصة تاريخية على أبناء الجزائر من أجل أن تكون هذه الإصلاحات إصلاحات عميقة وشاملة وجذرية.

 ترشحت السيدة لويزة حنون زعيمة حزب العمال اليساري (التروتسكي) لثالث مرة للانتخابات الرئاسية، وفي حديث للرسول الكريم "لا يُفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، كيف ينظر أبو جرة الداعية الإسلامي لتولي المرأة منصب رئيس الجمهورية؟

إذا زكاها الشعب رئيسة للجمهورية فلست وصيا على عقول الشعب وأصواتهم، يتحملون مسؤوليتهم فيما يختارون.

التيار الإسلامي ظُلم، حوصر بالزمن، والذين يطالبون المزارع بأن يزرع اليوم ويحصد غدا هؤلاء واهمون

مصر وتونس
 وصلت تيارات إسلامية للسلطة عبر انتخابات نزيهة بشهادة العالم، لكنها طُوقت في تونس وانقلبوا عليها في مصر، برأيكم هل فشل الإسلاميون في ممارسة الحكم؟

أنا أتعجب أن التيارات العلمانية حينما تصل إلى سدة الحكم تعطى فرصة زمنية تمتد إلى عشرين عاما ثم تقوّم التجربة، أما التيارات الإسلامية فقبل أن يُقسم الرئيس اليمين الدستورية يطالبونه بتحقيق وعوده، فلماذا تُعطى الفرص الزمنية الطويلة لغيرنا ونُحاصر نحن بالزاوية الضيقة بالزمن، مرسي بعد مائة يوم طولب أن يقدم الحصيلة، الجنين في رحم أمه يحتاج لتسعة أشهر على الأقل، وربي -عز وجل- قال الجنين لكي يبدأ يتحرك حمله وفطامه يمكث ثلاثين شهرا، يعني سنتين ونصفا، وبالتالي أقول بوضوح إن التيار الإسلامي ظُلم، حوصر بالزمن، والذين يطالبون المزارع بأن يزرع اليوم ويحصد غدا هؤلاء واهمون.

في مصر حصلت أخطاء، ولكن ما كان ينبغي أن تؤدي إلى التفكير بالانقلاب، فأكبر خطأ على وجه التاريخ هو الانقلاب، نحن نقول بالجزائر "آخر الطب الكي" ينبغي أن يكون آخر شيء الانقلاب، أما أن نبدأ بالانقلاب فهذا أمر لا يستوي، فلذلك تونس أعطيت بعض الوقت لمرحلة تأسيسية حصل فيها توافق، شارك فيها أبناء تونس جميعا، والآن يتحركون ببطء نحو ديمقراطية حقيقية شفافة، هذه تجربة رائدة في الوطن العربي.

 أبو جرة الشاعر، لديك ديوان "سيف الحجاج"، مدحت فيه الرئيس بوتفليقة على مبادرة المصالحة الوطنية، برأيك هل يستقيم سيف الحجاج مع الديمقراطية؟

في أول خطاب للرئيس بوتفليقة عام 1999 قال "إذا لم تستقم الأمور على ما أريد وفق البرنامج الذي رشحتموني على أساسه فسوف أستخدم سيف الحجاج"، أنا أخذت عبارة "سيف الحجاج" ونفيت في الديوان أن يستخدم سيف الحجاج ضد الشعب، الحجاج استخدم السيف وما نجح بتاريخه، وبالتالي يستخدم سيف القانون، سيف البراعة اللغوية، سيف التقرب من الشعب، سيف الحريات، سيف الديمقراطية، أما سيف الحجاج فلن يمر، ما مر قديما ولن يمر اليوم.

 هل استخدم الرئيس بوتفليقة السيوف التي ذكرتها أثناء حكمه؟

لم يستخدمها، لو أنه استخدمها لبعض اللحظات لقلّص من هوامش الفساد على الأقل، للأسف الشديد 15 عاما ما استُخدمت.

المصدر : الجزيرة