خميس بن بريك-تونس

أبدى عدد كبير من الأهالي سخطهم من الأحكام المخففة التي أصدرها القضاء العسكري التونسي بحقّ مسؤولين سابقين متهمين بالتورط في قتل العديد من الشباب إبان الثورة التي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي قبل ثلاثة أعوام.

وكانت المحكمة العسكرية في تونس أصدرت مساء السبت الماضي أحكاما في قضايا شهداء وجرحى الثورة في كل من مناطق تونس وتالة والقصرين وصفاقس. 

وتراوحت هذه الأحكام بين ثلاث سنوات سجنا وعدم سماع الدعوى في عدد من رموز النظام السابق والقيادات الأمنية.

تلك الأحكام نزلت كالصاعقة على أهالي شهداء الثورة بعد أن عانوا لأكثر من ثلاث سنوات خلال عدد كبير من المحاكمات الطويلة، التي انتهت بالنهاية لفائدة أبرز رموز النظام السابق، بينهم وزير الداخلية رفيق بالحاج قاسم، ومدير الأمن الرئاسي علي السرياطي. 

وقد خفض القضاء العسكري الأحكام الصادرة ابتدائيا على رفيق بالحاج قاسم من 37 عاما إلى ثلاث سنوات سجنا، في حين نزلت عقوبة السرياطي من 20 إلى ثلاث سنوات سجنا، مما يعني أنهما سينعمان بالحرية من جديد لأنهما أمضيا معظم محكوميتهما.

قضاء صفقات
ويقول علي المكي شقيق عبد القادر المكي الذي قتل برصاص الشرطة خلال الثورة بمدينة دقاش بولاية توزر (جنوب) إنّه لم يتفاجأ بأحكام القضاء العسكري، معتبرا أنه" قضاء صفقات ومتاجرة في دماء الشهداء".

المكي اعتبر أن القضاء العسكري
طعن أهالي شهداء وجرحى الثورة (الجزيرة نت)

ويضيف المكي -وهو رئيس جمعية "لن ننساكم" للدفاع عن حقوق شهداء والجرحى- أن القضاء العسكري لم تكن لديه إرادة للكشف عن جرائم القتل، وإنما سعى لطمس الحقائق والتستر على القتلة. 

ويقول إن القضاء العسكري طعن أهالي شهداء وجرحى الثورة وإنهم يشعرون بخيانته لهم كونه سعى لإيجاد مخرج لرموز النظام السابق لإطلاق سراحهم، على حد قوله. 

ويرى رئيس التنسيقية المستقلة للعدالة الانتقالية عمر الصفراوي أن الأحكام الأخيرة دقت آخر مسمار في نعش الثورة، مشيرا إلى عدم وجود إرادة لدى الحكومات المتعاقبة للكشف عن حقيقة المتورطين في قتل الثوار. 

ويضيف الصفراوي للجزيرة نت أنه لم يكن يتصوّر أن يصدر القضاء العسكري أحكاما بهذه "الرداءة"، مؤكدا وجود صفقة في الخفاء أبرمت على حساب دماء الشهداء والجرحى وتقضي بإصدار أحكام على مقياس المساجين من رموز النظام السابق. 

وحول الأطراف المعنية بهذه الصفقة، يقول إن القضاء العسكري تعرّض لضغوطات ومساومات من طرف نقابات أمنية سعت للإفراج عن قياداتها بعدما لاحظت أن القضاء العسكري أطلق سراح عدد من العسكريين الذين اتهموا بقتل الثوار.

فضيحة قضائية
من جهته، وصف محامي أهالي شهداء وجرحى الثورة شرف الدين القليل الأحكام بالفضيحة القضائية، مضيفا للجزيرة نت أن الخطير فيها هو أنها لا تتناسب مع اتهام رموز النظام السابق بقتل الثوار.

وعلى سبيل المثال غيّرت المحكمة العسكرية في طور الاستئناف الوصف القانوني لجرائم القتل العمد وعوضته بالقتل على وجه الخطأ أو العنف الشديد. 

القليل: القاضي كان وسيلة لتطبيق صفقة خسيسة على حساب دماء الشهداء (الجزيرة نت)

واعتبر رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء أحمد الرحموني أن هذا الوصف لا يتلاءم مع الجرائم المنسوبة للمتهمين. 

ويقول المحامي شرف الدين القليل إن المحكمة العسكرية بتونس ارتكبت جرائم خلال إصدارها تلك الأحكام، التي اعتبرها تتويجا لصفقة متكاملة الأبعاد فيها أطراف عديدة بعضها مرتبط بنقابات الأمن وبعضها الآخر على علاقة بقيادات عسكرية، حسب تعبيره.

وأضاف أن الأحكام الصادرة عن القضاء العسكري كشفت أنه ما يزال إحدى مؤسسات الرئيس المخلوع الفاسدة.

ووجه اتهامات حادة لقاضي المحكمة العسكرية بتونس, وقال إنه كان وسيلة لتطبيق "صفقة خسيسة" على حساب دماء الشهداء.

ويرى القليل أن حكم المحكمة العسكرية أعطى الضوء الأخضر لعودة رموز النظام السابق "بكل صفاقة"، مؤكدا أن هناك توجها للقيام بتحركات واحتجاجات للمطالبة بإعادة النظر في محاكمة المسؤولين عن قتل الثوار.

وأكد أنّ ملف شهداء وجرحى الثورة يحتاج إلى تدخل تشريعي عاجل من المجلس التأسيسي التونسي لإعادة محاكمة رموز النظام السابق.

كما أكد أن الهدف من هذا المطلب هو "الحيلولة دون عودة دكتاتورية جديدة في تونس عبر القضاء الفاسد". 

وكانت عدة أحزاب سياسية في تونس أصدرت بيانات متتالية تدين الأحكام التي أصدرتها المحكمة العسكرية، معتبرة أنها خيانة لدماء الشهداء والجرحى وتكريسا لمبدأ الإفلات من العقاب.

المصدر : الجزيرة