تحت شعار "مهنتي مستقبلي" انطلقت في ألمانيا مبادرة جديدة لدمج المهاجرين في التعليم وسوق العمل خاصة بعد أن أظهرت دراسات عدة أن هناك تراجعا في مستوى أبناء الأسر المهاجرة مقارنة بأقرانهم.

عندما جاء مصطفى بوكلوا، المغربي الأصل، إلى ألمانيا لم يكن قد بلغ الثالثة من عمره، ورغم ذلك فقد وجد صعوبة في الاندماج في نظام التعليم الألماني في بداية حياته، خاصة وأن لغته الأم هي الأمازيغية.
 
لم يتعلم بوكلوا الألمانية إلا عند دخوله المدرسة، وكان مستواه الدراسي متأخراً عن زملائه. لكن ذلك لم يمنعه من أن يبذل جهداً مضاعفاً حتى درس وأصبح معلماً ومنسقاً لمشروع "المدرسين من ذوي الأصول المهاجرة" في ولاية شمال الراين ويستفاليا.

ورغم نجاح أبناء أسر مهاجرة أمثال مصطفى في مواجهة الصعوبات، فإن كثيرين منهم لم يتمكنوا من دخول سوق العمل، وتفيد دراسات عدة بينها دراسة تقوم بها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن النظام المدرسي الألماني لم ينجح في إدماج أبناء الأسر المهاجرة على عكس الكثير من الدول الصناعية الأخرى.
 
هذا الأمر كان الدافع الرئيسي وراء قيام مبادرة "مهنتي مستقبلي" التوعوية، التي تهدف إلى تعريف الشباب والشابات من ذوي الأصول المهاجرة وأهاليهم بنظام التعليم الألماني ودعمهم للوصول إلى أفضل ما يناسبهم من فرص دراسة أو تدريب. وتمول هذه المبادرة وزارة العمل والاندماج في شمال الراين ويستفاليا والصندوق الأوروبي للدعم الاجتماعي.

فرص متساوية
منسق مشروع "المدرسون من ذوي الأصول المهاجرة" ومؤسس لمبادرة "مهنتي مستقبلي" مصطفى بوكلوا (الجزيرة)
ويرى منسق هذه الحملة مصطفى بوكلوا أن هذا الأمر أساسي لتوفير "فرص متساوية للجميع"، ويوضح قائلاً "نود تغيير المدارس والعمل على تحقيق الانفتاح على كل الثقافات، وهذا يتطلب مساعدة التلاميذ على اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلهم، الأمر الذي يحتاج إلى التعاون مع الآباء".

ويشير بوكلوا إلى "نقص كبير في معرفة نظام التعليم الثنائي المميز لألمانيا الذي يجمع بين التأهيل النظري والتدريب العملي. وتشاركه الرأي مسؤولة الاندماج في مدينة بون كوليتا مانيمان التي تدعم هذه المبادرة، إذ ترى أن نظام التعليم الثنائي الألماني صعب الفهم حتى على الألمان أنفسهم، وبالتالي فالمهاجرين بحاجة إلى دعم في هذا الأمر.

الخيارات بالمئات
وتوضح ألفيرا فريي من غرفة الصناعة والتجارة في منطقة بون راين زيغ أن هناك حوالي 340 نوعاً من التدريب المهني المختلف في ألمانيا، وهو ما لا يعرفه معظم الناس حتى من الألمان أنفسهم، سواء أعمال في مجالات تجارية أو في مجال الفندقة أو المساعدة الطبية والتمريض أو ميكانيكا السيارات أو الطهي، وكل هذه المجالات يمكن الحصول على تدريب مهني فيها. وتؤكد أنهم لا يقدمون فقط معلومات، لكنهم أيضاً يساعدون في تقديم طلبات العمل، إذا ما تطلب الأمر ذلك.

تقول أميمة صديّقي إنها كانت تظن أن ارتداءها الحجاب سيقف عائقاً أمام حصولها على فرصة عمل ولكنها "كانت مخطئة"، لأنها تتدرب الآن كمساعدة طبية في إحدى العيادات ولا تجد أي مشكلة سواء من العاملين معها أو من المرضى

ولا تكتفي مبادرة "مهنتي مستقبلي" بالتعريف النظري بالفرص المتاحة، لكنها أيضاً تتيح الفرصة للتعرف على أمثلة عملية من خلال تقديم خبرات المهاجرين الذين نجحوا في اقتحام عالم التدريب المهني الألماني بنجاح.

وتقول أميمة صديّقي إنها كانت تظن أن ارتداءها الحجاب سيقف عائقاً أمام حصولها على فرصة عمل ولكنها "كانت مخطئة"، لأنها تتدرب الآن كمساعدة طبية في إحدى العيادات في مدينة بون، ولا تجد أي مشكلة سواء من العاملين معها أو من المرضى.

كما يروي عادل خريز -الذي يتدرب في إدارة مدينة بون- كيف أنه كان يعتبره "أمراً طبيعياً" أن يعمل في مدينته التي ولد فيها، مشيراً إلى أن والده ساعده في اتخاذ هذا القرار لأنه يعيش في ألمانيا منذ عشرات السنوات ويعرفها جيداً.

نجاحات ودعم
ولا تقتصر قصص النجاح على من ولدوا في ألمانيا. فعياد، الذي جاء من العراق منذ أربع سنوات، يتعلم الآن في مدرسة كفنيّ إلكترونيات، ويعمل في شركة وموقع عمل في الوقت نفسه، وتقدم للشركة واستطاع إقناع المسؤولين بقبوله فحصل على مكان للتدريب المهني، و"تسير كل الأمور على ما يرام".
 
ويجد الصوفي محمد، سوداني الأصل، الذي كان حاضراً في إحدى الندوات التي تنظمها المبادرة، أن مثل هذه المعلومات "مهمة جداً" لأنها تساعد المرء على أن يعرف أنه "لا يجب أن يركز فقط على الدراسة الأكاديمية، لأن التدريب المهني يتيح العديد من الفرص".

ولتقديم مزيد من المساعدات للشباب، تتعاون هذه المبادرة مع عدد كبير من الجهات، من بينها شركات كبرى والجمعيات الإسلامية والمساجد للوصول بخدماتها إلى المهاجرين المسلمين.
 
مدير مسجد المهاجرين بمدينة بون الألمانية محمود خراط (الجزيرة)
تعاون متعدد
ومن بين الجهات التي تتعاون مع هذه المبادرة، توجد شركات كبرى مثل شركة دويتشه تليكوم الألمانية ومصرف شباركاسه، وتساعد هذه الشركات في إعطاء المعلومات والنصائح للشباب. كما تتعاون مبادرة "مهنتي مستقبلي" أيضاً مع الجمعيات الإسلامية والمساجد للوصول بخدماتها إلى المهاجرين المسلمين.
 
فتح باب المساجد لهذه المبادرة له أثر كبير على إقبال المهاجرين على حضور الندوات المختلفة، وهو ما حدث عندما فتح مسجد المهاجرين في مدينة بون أبوابه لإحدى الفعاليات التي تنظمها حملة "مهنتي مستقبلي"، فمدير المسجد محمود خراط يعتبر أن هذا هو أهم طريق للاندماج، كما أنه يعتبر أن "المهنة في اليد هي الضمان لمستقبل أفضل".

تشجيع المسجد لهذه المبادرة شجع كثيرا من الآباء والأمهات والشباب للتفاعل معها، كما تؤكد سكينة النوري، تونسية الأصل. أما بالنسبة للطالب أمين سمسيمي فيعدّ مثل هذا التعاون "أمراً مفروغاً منه"، لأنه يعتبر نفسه "جزءا لا يتجزأ من المجتمع حتى وإن كان شكله مختلفاً ودينه مختلفاً عن الأغلبية"، ولذلك فهو سعيد بهذا التعاون لأنه يعتبره الفرصة لتغيير الصور النمطية المنتشرة بين بعض الألمان. 

المصدر : الجزيرة + دويتشه فيلله