المحفوظ الكرطيط-كابل

في وسط العاصمة الأفغانية لا تزال عمارات مجمع مكروريان المبنية على الطراز المعماري السوفياتي شاهدة على فترة حضور سوفياتي طويل، وعنوانا للعلاقات المعقدة التي تربط بين البلدين وتعكف روسيا حاليا على فتح صفحة جديدة في كتابها المضرج أيضا بالدماء والفائض بالمشاعر المتأرجحة بين الحقد والحنين.

ويمثل مجمع مكروريان، الذي بني أساسا للكوادر السوفياتية ولعائلات من النخبة الأفغانية وتقطنه حاليا مئات العائلات من الطبقة الأفغانية المتوسطة والميسورة نسبيا، جزءا من معالم كثيرة تشير لفترة الوجود السوفياتي في أفغانستان.

وعن ظروف الحياة في هذا المجمع، يقول حارس السيارات محمد يوسف للجزيرة نت إنه هو الأفضل من الناحية الأمنية. ويعبر بعض سكان عن ارتياحهم لخدمات الماء والكهرباء والتكييف وعن امتنانهم للاتحاد السوفياتي على ذلك الإنجاز العمراني.

وفيما تستعد أفغانستان لطي صفحة غزو جديد، تمثل في الاجتياح الدولي بقيادة الولايات المتحدة عام 2001 للإطاحة بحكم طالبان، بدأت روسيا تبحث عن تعزيز موقعها واستعادة الوزن السوفياتي المفقود في هذه البلاد التي باتت ساحة مفتوحة لعدة أجندات إقليمية.

الدار الروسية للثقافة والعلوم بأفغانستان (الجزيرة)

مشاريع موروثة
وتعكف روسيا حاليا على إعادة الحياة لعشرات المشاريع الموروثة عن العهد السوفياتي، ويتعلق جلها بالبنى التحتية ويعود بعضها لفترة ما قبل اجتياح عام 1979، لكن النسيان طوى بعضها في أعقاب الانسحاب السوفياتي من البلاد عام 1989.

ومن المشاريع التي حظيت بالاهتمام الروسي مصنع لمواد البناء رأى النور في العهد السوفياتي عام 1962 وصمد أمام أعاصير السياسة وبقي يشتغل بنفس الوتيرة منذ تلك الفترة إلى أن قررت موسكو مؤخرا أن تضخ فيه دماء جديدة بتمويل قدره نحو 25 مليون دولار.

كما رصدت موسكو مبلغ 20 مليون دولار لترميم الدار الروسية للثقافة والعلوم بعد أن ظل طيلة أكثر من عقدين عبارة عن أطلال وخراب وتحولت إلى مأوى للمتسكعين ومدمني المخدرات.

ويعكس الاهتمام بذلك المعهد الثقافي سعي روسيا لتلميع صورة أفغانستان خاصة في الأوساط التربوية بتشجيع الإقبال على تعلم اللغة الروسية والاطلاع على ثقافتها وتقديم منح  دراسية للطلبة الأفغان.

إشارات أفغانية
ومن الناحية الأفغانية بدأت القيادة الحالية تطلق إشارات في اتجاه موسكو بعد أن ساءت علاقتها في الآونة الأخيرة بالولايات المتحدة التي قادت الغزو الدولي للبلاد عام 2001، لكنها تصر على بقاء جزئي لقواتها رغم التعهد الدولي بالانسحاب في نهاية العام الجاري.

وتمثلت أقوى إشارة من ذلك النوع في إعلان الرئيس الأفغاني حامد كرزاي دعم بلاده لقرار روسيا المثير للجدل بضم شبه جزيرة القرم في خطوة قرأ فيها مراقبون علامة بارزة على تدهور العلاقات بين كابل وواشنطن.

زواك: العلاقات بين أفغانستان وأميركا ساءت والبلد يحتاج لأصدقاء حقيقيين (الجزيرة)

ودافع المحلل السياسي الأفغاني جيلاني زواك عن موقف أفغانستان المؤيد لقرار روسيا بضم شبه جزيرة القرم، قائلا إنه كان نابعا من حرص كابل على مصالحها، ولا يمكن أن يكون خاضعا لإملاءات الإدارة الأميركية.

وقال زواك في تصريحات للجزيرة نت العلاقات بين أفغانستان والولايات المتحدة ساءت في الآونة الأخيرة والبلد بات محتاجا لأصدقاء حقيقيين في المنطقة، وروسيا ليس بلدا جديدا عليه.

فصل جديد
ويتوقع زواك أن يكون الفصل الجديد في العلاقات بين أفغانستان وروسيا مبنيا على قاسم مشترك هو مكافحة ما سماه الإرهاب، بعد أن بدأت السلطات الأفغانية في الآونة الأخيرة تشك بأن الأميركيين ليسوا هنا من أجل مكافحة "الإرهاب"، ولكن من أجل أجندات أخرى في المنطقة.

لكن في ظل صراع الأجندات في الساحة الأفغانية فإن فتح فصل جديد في علاقات روسيا وأفغانستان اللتين لا ترتبطان بحدود جغرافية مباشرة لن يكون بالعملية الهينة وسط تدخل ونفوذ دول الجوار وعلى رأسها إيران وباكستان، ناهيك عن حرص الولايات المتحدة على إبقاء بعض قواتها بالبلاد.

وإلى جانب إكراهات الجغرافيا فإن للتاريخ كلمته في الموضوع، لأن التركة السوفياتية ليست كلها مشاريع ومرافق تحظى برضى الأفغان، ولكنها أيضا مليئة بالندوب الحادة في ذاكرة الكثيرين منهم عنوانها التدخل السافر في الشؤون الداخلية والحرب والدمار وعشرات آلاف القتلى.

المصدر : الجزيرة