هربوا بالآلاف من مدن في جنوب أفغانستان مدفوعين بنيران القتال بين حركة طالبان من جهة والقوات الدولية والحكومة من جهة ثانية، وحطوا الرحال في مخيم بضاحية العاصمة كابل منذ سنوات في انتظار حل ينهي معاناتهم.

من يسير في شارع قمبر الرئيسي المؤدي لغرب كابل لا يكاد يلحظ تجمعا سكنيا في جانب الشارع، واجهته من بيوت طينية متواضعة لا تثير الانتباه، لأنها تقع بين مجمعين لورشات حرفية ودكاكين ومحلات تجارية كلها من طابق أرضي.

أما المدخل الرئيسي للتجمع فيؤشر لمعاناة إنسانية حقيقية، عنوانها رجال وأطفال تحمل وجوههم ونظراتهم الكثير من مظاهر الإنهاك واليأس، وخيام تحمل شعار منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، ولافتات منظمات إغاثية وهيئات حكومية تتضمن كلمات مهجرين وإعانة ومعطوبين.

داخل أحد بيوت المخيم، حيث تعيش منذ سبع سنوات 850 عائلة بدون تيار كهربائي ولا شبكة صرف صحي ولا ماء صالح للشرب، يتحدث أحد مندوبي المخيم للجزيرة نت ومعه عدد من سكان المخيم ظل يزداد إلى أن وصل إلى 16 فردا بينهم أطفال.

سكان المخيم يتهمون الحكومة باختلاس
جزء من المساعدات التي توجه لهم (الجزيرة)

غضب ويأس
بنبرة ملؤها الغضب واليأس، يقول إسماعيل جمعة خان إن سكان المخيم النازحين من هلمند وقندهار وأروزكان رووا قصتهم مرات عديدة لكثير من وسائل الإعلام الدولية ودقوا أبواب كل الجهات الحكومية المعنية بشؤون النازحين، لكن من دون جدوى.

ويعترف جمعة خان وعدد ممن تحدثوا للجزيرة نت بأن هناك عدة هيئات دولية تبرعت بمساعدات لأهل المخيم، لكنه يتأسف لأنه لم يصل للسكان إلا الجزء اليسير من تلك الإعانات ويتهم الجهات الحكومية بالاستيلاء على الباقي.

ويستطرد جمعة خان بالقول إن النازحين باتوا يحنون إلى وضعيتهم السابقة كمزارعين، لأنهم هنا يعيشون معاناة أكثر بسبب البرد والجوع والإهمال والبطالة وتواضع الخدمات الصحية والتعليمية.

خلال جولة بين البيوت يخيل للمرء أن هذا الفضاء شبه معزول عن العالم، سواقٍ صغيرة تقوم مقام شبكة الصرف الصحي، بيوت شبه خالية تماما من أي أثاث عصري، بيوت أخرى من بلاستيك.

لكن أثناء التجول في متاهة الفقر والعوز تلوح أحيانا مظاهر فرحة وإقبال على الحياة، أطفال يلعبون ويركضون ويطلبون من موفد الجزيرة أن يأخذ لهم صورة فوتوغرافية، ويبتهجون برؤيتها على شاشة الكاميرا في لحظة تعوضهم عن الحرمان من مشاهدة التلفزيون.

لحظة فرح في حياة أهل المخيم الذين يعانون منذ أكثر من سبع سنوات (الجزيرة)

فرح عابر
وستتخذ الفرحة شكلا آخر عندما يظهر في المشهد شاب في مقتبل العمر ذو عينين زرقاوين طمس الفقر ألقهما، شعره أشعث، يلبس جلبابا صوفيا رثا وينتعل حذاء بلاستيكيا طويلا من النوع الذي يلبس عادة في فصل الشتاء.

يبدو وكأن هذا الشاب القادم من حي آخر جاء ليكسر أجواء البؤس السائدة في المكان، فهو يتجول وسط البيوت وفي يده دف بلاستيكي كبير الحجم نسبيا وعلى كتفه كيس منسوج بخيوط بلاستيكية به عينات محدودة من تلك الآلة الموسيقية.

الموقف يثير الاستغراب ويثير التساؤل عما إذا كان للناس هنا استعداد للطرب والغناء، لاستجلاء الموقف يتدخل رحمة الله (في الخمسينيات من عمره) ويوضح أن الطرب بالدف جزء من ثقافتهم المحلية في جنوب البلاد، وأن الأهالي كانوا يطربون أحيانا عناصر من حركة طالبان في حفلات تستعمل فيها الدفوف.

وطلب رحمة الله -وهو أب لعشرة أطفال- من البائع المتجول أن يضرب قليلا بالدف، مما خلق جوا من المرح وفي لحظة ما مسكه منه وبدأ يضرب والأطفال والرجال من حوله يضحكون.

ورغم أن أهل هذا المخيم بعيدون عن أبسط أسباب العيش التي يتمتع بها باقي سكان الأحياء الأخرى فإنهم مهتمون جدا بالشأن السياسي، ويأملون في أن تلتفت الحكومة المقبلة إليهم وإلى مئات الآلاف من أمثالهم النازحين داخل البلد وإلى نحو ثلاثة ملايين لاجئ في دول الجوار.

ويوضح أحد مسؤولي المخيم أن الأئمة هنا شرحوا للناس بأن حقهم في التصويت يعتبر أمانة وعليهم استعماله بالطريقة الصحيحة، وهذا ما يفسر إقبالهم الكثيف على صناديق الاقتراع في انتخابات الرئاسة التي جرت السبت الماضي.

وفي انتظار أن تتشكل الحكومة المقبلة فإن الشيء الوحيد الذي ينعم به أهل المخيم حاليا هو الأمن الذي كان مفقودا في مسقط رأسهم بهلمند وقندهار وأروزكان، وخلو لياليهم من كابوس الاقتحامات والقصف المفاجئ لبيوتهم بذريعة لجوء عناصر طالبان إليها.

المصدر : الجزيرة