خليل مبروك-إسطنبول

قلما يزور مواطن عربي مدينة إسطنبول التركية دون أن يحط الرحال في منطقة الفاتح الواقعة بالجزء الأوروبي منها، حيث تلتقي قارتان من العالم القديم بمضيق بحري تتربع الفاتح على شاطئه الغربي.

وتسفر عروبة المكان في الفاتح عن وجهها بصراحة بادية للعيان وتكشف عن جمال الضاد في كل ركن بين شارعي "وطن" و"فوزي باشا" اللذين يشكلان عصب الفاتح الرئيسي لتتصل الثقافة العربية مع الحياة التركية وتعبر عن ذاتها بلسان عربي مبين.

وتروي المنطقة قصة تاريخها العريق لزوارها عندما يمرون بالفاتح من باب السور "أديرنا كابيه" الذي شهد دخول جيوش السلطان محمد الفاتح للمدينة في مايو/أيار 1453 ومنها لخليج البسفور.

يبدأ هذا التاريخ من مسجد الفاتح مرورا بمقام أحد قادته آق شمس الدين ولا ينتهي بقصر الباب العالي. وعلى امتداد الطريق يصادف المار وجوه العرب ويسمع لهجاتهم المختلفة، حيث تطغى على الصوت الذي يضج به المكان.

الوجود العربي
ويستهدف المقيمون العرب في إسطنبول منطقة الفاتح في بحثهم عن السكن نظرا لتوسطها قلب المدينة، ولغلبة الطابع الإسلامي عليها وانتشار الأمن فيها، كما يقول عبد العزيز إبراهيم رئيس جمعية الحكمة العربية للعلم والصداقة والتعاون التي يقع مقرها بجوار مسجد الفاتح التاريخي الشهير.

الملامح العربية تطغى على شوارع
ومحلات حي الفاتح في إسطنبول (الجزيرة)

ويقول إبراهيم -الذي استقبل الجزيرة نت في مكتبه- إن الجمعية وجدت لمواكبة مناشط الحياة للعرب في إسطنبول، واختارت مكانها بمنطقة الفاتح لتركز أبناء الجالية فيها.

وتعمل الحكمة وغيرها من الجمعيات العربية في تقديم الخدمات للعرب المقيمين بالمدينة، وتتنوع أنشطتها بين المجالات الثقافية والفعاليات الأكاديمية والاجتماعية المختلفة، كما تقدم دورات في اللغة التركية للعرب، وأخرى بالعربية  للأتراك.

ولا يجد إبراهيم غرابة في تزايد إقبال الجاليات العربية على الإقامة بتركيا والبحث عن مستقبل لها في إسطنبول، خاصة بعد التحولات التي شهدتها دول الربيع العربي.

وقد أدت الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات في سوريا والانقلاب العسكري بمصر إلى نزوح أعداد كبيرة من هاتين الدولتين إلى إسطنبول، لتزداد الجالية العربية ثقلا بوجود العراقيين والليبيين والفلسطينيين المقيمين في المدينة أصلا.

وبحسب إبراهيم، فإن حاجز اللغة والجهل بالقوانين التركية يشكلان أكبر تحدٍ يواجه القادمين من العرب للمدينة، قائلا إن الجمعية تعمل على تذليل هذه الصعاب عن طريق أعضائها الذين تعود أصولهم لأقطار عربية مختلفة.

إبراهيم: العرب يفضلون السكن بمنقطة الفاتح لغلبة الطابع الإسلامي عليها (الجزيرة)
وعلى الطريق من مقر الجمعية باتجاه مسجد الفاتح تطل عشرات المحلات التجارية التركية التي تعرض سلعها بإعلانات عربية لجذب الزبائن العرب الذين يملؤون المكان.

وفي أحد محلات العطارة والبهارات لم يستغرق عبد الله الشامي -وهو شاب من دمشق- كثيرا من الوقت ليقنع صاحب المحل الذي يعمل لديه بالسماح للجزيرة نت بالتحدث إليه.

يتقن الشامي القادم من دمشق قبل أقل من ستة أشهر اللغتين التركية والإنجليزية إلى جانب لغته الأم العربية، ويحمل شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال، لكنه يزاول العمل في محل العطارة الصغير مستفيدا من قدرته على التعامل مع الزبائن العرب والأتراك على حد سواء.

فرص العمل
ويشعر عبد الله بارتياح للإقامة في الفاتح، ويقول إن فرص العمل في إسطنبول صعبة، لكنها متاحة لمن يبذل الجهد في البحث عنها، مضيفا أن لدى الشاب السوري حظوظا أكثر من غيره، لسهولة إتقانه اللغة التركية بحكم الاحتكاك التاريخي بين البلدين.

الشامي: السوريون أمامهم فرص للعمل 
في منطقة الفاتح بمدينة إسطنبول (الجزيرة)

وعلى مقربة من محل العطارة يلتحم مطعم "فاتح الخير" السوري ببوابة مسجد الفاتح، ويختلط رواد الأول بزوار الثاني، فيما تعلو أصوات غناء عربي ذاع صيته في تركيا يؤبن ضحايا ميدان مجزرة رابعة بمصر.

ويقول منور وهو أحد المشرفين على المطعم إن أغلب زبائنهم من السوريين، ويستقبلون عربا آخرين وأتراكا وسياحا من جنسيات مختلفة.

ويعبر منور عن ارتياحه لأجواء العمل المتاحة في إسطنبول، قائلا إن حكومة أردوغان "لم تقصر"، ويصف الشعب التركي بالمضياف.

ومن الشائع في المناطق العامة بالفاتح أن يرحب أحدهم بزائر باللغة التركية فيجيبه بالعربية، ويحدث العكس كثيرا في المدينة التي تتشابه فيها سحنة السكان.

وتنتشر في شوارع الفاتح محلات الحلاقة والأعمال المهنية والخياطة وشركات السفر التي تحمل في واجهاتها كتابات بلغة الضاد تستقطب الزبون العربي، وتضفي في الوقت ذاته ملامح العروبة على وجه الحي الواقع بالجزء الأوروبي من المدينة.

المصدر : الجزيرة