وديع عواودة-حيفا

ما تزال إدانة أول رئيس حكومة في إسرائيل بالرشوة تثير ردود فعل واسعة بين إشادة بقرار المحكمة وتحذير من خطورة ظاهرة الفساد التي ذهب بعض المراقبين للمفاضلة بينها وبين خطر قنبلة إيران.

يشار إلى أن المحكمة المركزية في تل أبيب أدانت الاثنين الماضي إيهود أولمرت وعشرة مسؤولين آخرين -منهم رئيس بلدية القدس المحتلة السابق- بتلقي رشا عدة مرات بمئات آلاف الدولارات من مستثمر مقابل تسهيل إصدار تصاريح بناء.

لكن مقربين من أولمرت نقلوا عنه الثلاثاء أنه مصدوم، ولا يصدق ما نسبته المحكمة له من تهم.

وفي قرار عبّر القاضي عن خطورة الظاهرة، وقال إنها تتلف مؤسسات الدولة، وتعطّل أجهزة الرقابة، وتقتل منظومة القيم التي تصون مناعة المجتمع وكيانه السياسي.

وباء متفش
ويذهب أستاذ العلوم السياسية آفيعاد هكوهن للقول إن المحكمة كشفت عن وباء متفش في هرم الدولة، مما يعتبر تهديدا خطيرا جدا.

ويرى في تعليقه للجزيرة نت أن ظاهرة الفساد تكوّن طبقة من السماسرة التي تستأثر بالموارد العامة وتضرب خزينة الدولة أيضا، "والأهم أنها تضرب نظام الحكم والمجتمع وتبدد ثقته بمؤسساته".

ويتابع "إن الظاهرة تقطع الأوصال التي تربطنا كجماعة واحدة، وتشجع الاستخفاف بسلطات الحكم، وتزعزع الاستقرار الاجتماعي".

بينما يعتبر رئيس المعارضة يتسحاق هرتسوغ -من حزب العمل- أن الإدانة وسام شرف للجهاز القضائي لنضاله ضد الفساد. وتتفق مع هرتسوغ رئيسة حزب "ميرتس" زهافا جالؤون بالتشديد على أن الفساد يؤدي للمزيد منه.

خطر جدري
وترى جالؤون -في تعليقها للجزيرة نت- أن الفساد يشكل خطرا جديا "لأنه يهدد السياسة، ويؤدي إلى شيطنتها وتجريمها في نظر الجمهور. وتابعت "تكمن أهمية القرار أيضا في أنه بعث رسالة واضحة مفادها أن القادة ليسوا فوق القانون"، مشيرة إلى أن شهوة السلطة والمال قد أفسدت أولمرت.

وتؤكد أن الفساد داء خبيث من شأنه التسبب في انهيار إسرائيل من داخلها، "لأنه يأتي على كل بقعة خضراء".

وهذا ما أكدته صحيفة "هآرتس" في افتتاحيتها يوم الثلاثاء، واعتبرت فيها أن إدانة أولمرت لحظة مؤسسة في مسيرة مكافحة الفساد المتفشي في إسرائيل.

ونوهت إلى أن النهاية السياسية التراجيدية لأولمرت تظهر كيف تغلغل الفساد في الدولة كـ"السوس" وتحول لمعيار شرعي لدى ساسة الدولة.

وكشف مقياس الفساد العالمي الأخير لعام 2013 أن 73% من الإسرائيليين يقولون إن مؤسسات الدولة تدار -لحد كبير أو بشكل مطلق- على يد زمرة من الانتهازيين أصحاب مصالح غير موضوعية، في مقابل 64% من الأميركيين، و62% في المكسيك، و28% في فينلندا، و5% في النرويج.

مكافحة فاشلة
وقال إن 77% من الإسرائيليين يرون أن مساعي الحكومة لمكافحة الفساد غير ناجعة، مشيرا إلى اعتراف 12% منهم "بأنهم دفعوا رشا لمسؤولين".

لكن الباحث آرييه آفنيري ينبه إلى أن "المخفي أعظم"، معتبرا أن نسبة أعلى من الإسرائيليين تقدم رشا لجهات في المؤسسة الحاكمة لتسهيل معاملاتهم المتنوعة.

وهذا ما أكدته أديت داخنر ابنة شموئيل داخنر المستثمر الذي قدم الرشا لأولمرت، منوهة في حديث للقناة الإسرائيلية العاشرة إلى أنها كانت تعرف منذ طفولتها أن والدها الناجي من المحرقة كان يتجاوز العقبات بتسديد الرشا للكثيرين.

أفنيري الذي عالج الفساد في إسرائيل بكتاب صدر عام 2010 بعنوان "أصرخي أيتها الأرض الفاسدة"، يعتبر الفساد ظاهرة تتفاقم وتتفشى كالخلايا السرطانية، وتنال من المؤسسة الأمنية أيضا.

خطر إستراتيجي
وردا على سؤال الجزيرة نت، يتفق أفنيري مع باحثين آخرين في أن الفساد خطر إستراتيجي على إسرائيل، لأنه ينعكس سلبا وبالتدريج، ويؤدي إلى حالة انحلال وانهيار لاحقا.

ويعتبر إدانة أولمرت شهادة شرف لسلطة القانون في إسرائيل، "بخلاف مراقبين آخرين ركزوا على أنها وصمة عار لدولة الكثير من كبار ساستها فاسدون".

ويبرر تفشي الظاهرة بسطوة التوجهات المادية، وكثرة البيروقراطية في معاملات مؤسسات الحكم، ويتهم وسائل الإعلام "بتحول الكثير منها لأبواق في خدمة رأس المال والتوقف عن النقد والتحقيق".

وينضم أولمرت لرئيس الدولة السابق موشيه كتساف وعدد من الوزراء الفاسدين، منهم أفراهام هيرشزون وحاييم رامون وزيرا المالية والصحة في حكومة أولمرت السابقة.

ويذكّر ذلك بما حذر منه الجنرال بالاحتياط عوزي ديان أيضا خلال مؤتمر هرتزليا للمناعة القومية في 2006 من أن فساد السلطة في إسرائيل أشد خطرا عليها من القنبلة النووية الإيرانية، مفسرا ذلك بكونه سببا بتلفها من الداخل.

المصدر : الجزيرة