لم يكن كثيرون يسمعون بقرية فليطة في منطقة القلمون قبل أشهر فقط.. فهذه القرية عاشت منذ بداية الثورة السورية بعيدة عن جو الحرب والدمار، لكنها تحولت من مركز لتجارة المخدرات إلى رمز للتحدي على مقربة من الحدود اللبنانية.

قرية فليطة في قلب معركة حاسمة بالصراع السوري (الجزيرة نت)
 
بسمة أتاسي-القلمون
 
في بلدة صغيرة تتواجد في إحدى أكبر المناطق الجبلية بسوريا، يجلس أحد قادة المعارضة المسلحة خلف مقعد سيارته الرباعية مستمعا لأول مرة إلى نشيد يترنم به أعداؤه، حيث يتوعدونه ورفقاءه بـ"أيام سوداء".

قام صفوان عودة بتغطية سيارته بالطين لتمويه وجودها على المقاتلات السورية، كانت قريته "فليطة" تعرف سابقا بتجارة المخدرات، لكنها اليوم في قلب معركة حاسمة بالصراع السوري الدائر الآن.

تقع فليطة على طريق تموين يربط لبنان بـيبرود أكبر معقل للمعارضة في جبال القلمون.

ووجد عودة وكتيبته أنفسهم في قلب معركة أخذت أبعادا جهوية وطائفية واسعة، فالقرية تواجه هجوم القوات السورية النظامية المدعومة من طرف مقاتلي حزب الله وآلته الدعائية.

"احذر يا جيش الإرهاب.. زمن الهزائم قد ولى.. حطمنا جيش اليهود.. وهلا دورك بيبرود".. تتردد هذه الأنشودة التي يؤديها متعاطف مع حزب الله من هاتف عودة.

عودة الشاب ذو الـ29 ربيعا والضابط السابق في الجيش السوري الذي انشق عنه عام 2012 وضع يده على لحيته وهو مصغٍ بانتباه للمقطع، ثم قال بهدوء "الأنشودة محاولة لرفع معنوياتهم ودليل على إفلاسهم".

أنشودة "احسم نصرك في يبرود" انتشرت كالفيروس في الوسائط الاجتماعية المختلفة، وتزامنت إذاعتها مع بداية هجمات يقوم بها الجيش النظامي للاستحواذ على المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة المرابطون في جبال القلمون، وهي منطقة إستراتيجية بين دمشق وحمص.

غير أنه قبل ثلاثة أسابيع، عندما حاولت قوات النظام التوغل في قرية "فليطة"، صد عشرات مقاتلي المعارضة وحدات النظام مستخدمين قاذفة صواريخ مضادة للدبابات نصبوها على إحدى الهضبات. وحاول النظام بعد ذلك مجددا التوغل بهجمات برية.

صفوان عودة أحد أبناء فليطة المنشقين عن الجيش النظامي السوري (الجزيرة)

تورا بورا سوريا
فليطة تتواجد على ارتفاع أكثر من ألفي متر عن سطح البحر، وشكلت أرضها الصخرية حصنا طبيعيا للمعارضين يصد عنهم هجمات المدفعية والقصف الجوي.

"إذا أميركا اتبهدلت وضاعت بجبال تورا بورا، كيف ما رح يتبهدل النظام هون؟" يتساءل عودة.

عودة قال إن طائرة مقاتلة حامت فوق القرية وألقت عليها قنبلة قبل أن تختفي خلف السلسلة الجبلية اللامتناهية، وتردد صوت طلقة مدفعية 23 مم خلفها لإسقاطها، ولكن دون جدوى، وذكر لنا أن مقاتليه سبق أن أسقطوا ثلاث طائرات في أسبوع واحد.

وفاجأت المقاومة الشرسة لمقاتلي "فليطة" كلا من النظام السوري ومقاتلي المعارضة الذين لم يتوقعوا دفاعا بهذه القوة، لا سيما أن القرية التي اشتهرت سابقا بتجارة المخدرات نجت من الدمار الذي حاق بالمناطق الأخرى في السنوات الثلاث الماضية، حيث كان لبارونات المخدرات مصلحة في الإبقاء على المنطقة آمنة لترويج المخدرات المصنوعة محليا بكل المناطق السورية.

وبحسب ما قيل للجزيرة نت، فإن النظام السوري منح لتجار المخدرات الحرية في الترويج لبضاعتهم مقابل ضمان ولائهم، لكن هذا الولاء تم اختباره ميدانيا عندما استولى مقاتلو المعارضة على القرية، حيث تم إعدام عدد من مروجي المخدرات اشتبه في كونهم عملاء لنظام الأسد، وأجبروا الباقين على الفرار إلى لبنان.  

وكان أبو عباس أحد الفارين المعروفين، وقد سبق اعتقاله والحكم عليه بالإعدام عام 2007، لكن النظام أطلق سراحه عقب الأزمة السورية في 2011، وذلك بهدف مواجهة "المد الثوري" على القرية الحدودية التي تشكل عمقا إستراتيجيا كبيرا.  

ويظهر المنزل الفاخر الذي سكنه أبو العباس في فليطة بشكل مميز عن البنايات الأخرى، فهو مكون من ثلاثة طوابق وتم استعماله مصنعا لإنتاج حبوب "الكبتاغون"، ويستعمل مقاتلو المعارضة الآن مولده الكهربائي لتزويد البنايات المجاورة بالكهرباء التي قطعت منذ شهرين.

من مواطن إلى لاجئ
بعد ثلاثة أسابيع من القتال كل زاوية من زوايا القرية تحمل علامة الحرب: نوافذ البيوت التي تطل على السهول الخضراء المرصوفة بأشجار الكرز مهشمة، والقذائف اخترقت عدة مبانٍ تبعد كيلو مترين عن جبهة القتال، والطرق الصخرية غير المعبدة مليئة بالحصى، كما تحتل عشرات الشاحنات المحملة بالطين الطرقات الضيقة، وهي شاحنات يستخدمها مقاتلو المعارضة.

لم يتطلب الأمر سوى بضعة أيام ليتحول المواطنون الذين يبلغ عددهم 12 ألفا إلى لاجئين يعيشون في أكواخ حجرية بمنطقة خالية بين لبنان وسوريا، أو يقطنون خيما وملاجئ في بلدة عرسال اللبنانية.

مشهد من غارات النظام التي شنت على مدينة النبك في القلمون بريف دمشق (الجزيرة)

كان رامز ذو الستة عقود المدني الوحيد الذي التقت به الجزيرة نت عندما زارت القرية، وقد غادرت زوجته وبناته إلى عرسال، في حين انتقل أبناؤه إلى دمشق، غير أن رامز لا يريد ترك منزله دون حراسة.

"ناس ما لهم قلب يتركون بيوتهم على الرغم من سوء الأوضاع هون"، يقول رامز وهو يرتدي معطفا جلديا أسود فوق ثوبه الرمادي، مضيفا "ما في كهرباء، ما في طحين للخبز، ننزل كل يوم على عرسال حتى نجيب حاجاتنا الأساسية".

وتتواجد عرسال على بعد بضعة كيلو مترات فقط، لكن الطريق خطرة جدا خاصة أثناء الغارات الجوية التي تتصاعد وتيرتها.

ومع ذلك، يتنقل كثير من السوريين ذهابا وإيابا بين فليطة وعرسال لمعاينة منازلهم وإحضار الطعام لمن بقوا في القرية.

ويقوم أبو عبدو -وهو من مواليد فليطة الذين غادرت عائلاتهم إلى عرسال- بتزويد مقاتلي المعارضة بالوقود عبر شاحنته، ويقول إنه يدفع تكلفة ذلك من جيبه.

لقد سقطت مدينة القصير السورية المتواجدة على مقربة من الحدود اللبنانية بأيدي النظام السوري في يونيو/حزيران 2013، وذلك بعد دعم مقاتلي حزب الله القوات النظامية وخوض معركة دامت أسابيع، كان ذلك يشكل خسارة رمزية كبيرة للثوار الذين احتلوا عناوين الصحف العالمية، ولهذا يؤكد أبو عبدو "نحن صرنا لاجئين ويا دوب معنا مصاري تكفينا، بس بالرغم من هيك نشيل اللقمة من فمنا حتى نطعم الثوار.. ما بدنا الحزب يدخل على فليطة مثل ما دخل على القصير".

"يا مقاوم روح الله معك.. القصير بتشهد والنبك".. هكذا تقول الأنشودة نفسها التي تدعم حزب الله، وكلما أمعن عودة في الاستماع لهذه الكلمات المستفزة بدا انزعاجه واضحا.

أخذ صديق عودة الجالس قربه في السيارة الهاتف، واستبدل الأنشودة بأنشودة تدعم المقاتلين على  الإيقاع نفسه للأنشودة الأولى.. "احفر قبرك في يبرود.. حلمك نصرك في يبرود.. أوهامك يا حزب اللات".

تبسم عودة وقال "أنا أحبها بهذه الصيغة.. وسأذيعها للثوار من خلال جهاز اللاسلكي.. ستكون يبرود بإذن الله مقبرة لحزب الشيطان".

المصدر : الجزيرة