تثير الاتصالات المتواصلة بين روسيا وألمانيا بشأن الأزمة الأوكرانية سؤالا عن حجم الدور الذي يمكن لبرلين لعبه في حل الأزمة، وفي الجواب عنه ينقسم الخبراء بين من يراه دورا حاسما، وقائل إنه "مهم لكنه غير حاسم".

اتصالات ميركل (يمين) المتكررة ببوتين لم تحدث أي تغيير في المواقف الروسية تجاه أوكرانيا (الفرنسية-أرشيف)

خالد شمت-برلين

تطرح اتصالات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل المتكررة في الأسابيع الأخيرة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولقاء نائب ميركل وزير اقتصادها زاغمار غابرييل مع بوتين الخميس الماضي بموسكو، أسئلة مفتوحة حول قدرة برلين على لعب دور حاسم ينهي الأزمة الأوكرانية الراهنة، ويقنع حاكم الكرملين أو يرغمه على سحب قواته من شبه جزيرة القرم.

ويرى المقتنعون بالدور الحاسم للحكومة الألمانية في أزمة أوكرانيا أن لجوء ميركل للعقوبات الاقتصادية من شأنه جعل الرئيس الروسي يراجع مواقفه تجاه أوكرانيا تجنبا لخسارة مليارات اليورو التي تدخل خزائن بلاده من المبادلات التجارية مع ألمانيا.

في المقابل، يرى معارضو الرأي السابق أن العقوبات الاقتصادية ضد روسيا ستضر أيضا بالاقتصاد الألماني، ويستشهدون بعدم وجود تأثير لميركل على بوتين الذي وصفته بأنه أصبح فاقدا للصلة بالواقع.

ويتفق مؤيدو ومعارضو فكرة قدرة حكومة ميركل على تغيير الموقف الروسي تجاه كييف على تفضيل برلين لعدم قطع خيوط مفاوضاتها مع موسكو بحثا عن حل للأزمة الأوكرانية، بعكس الولايات المتحدة المحبذة للمقاطعة والعقوبات الاقتصادية ضد روسيا.

ستيوارت: ألمانيا طورت موقفها تجاه روسيا من التحفظ إلى الحزم مع بوتين (الجزيرة)

قنوات اتصال
وفي هذا الخصوص، اعتبرت سوزان ستيوارت نائبة رئيس مجموعة أبحاث شرق أوروبا وأوراسيا بالمعهد الألماني للدراسات السياسية والأمنية، أن ألمانيا ربما لا تستطيع لعب دور حاسم في الأزمة الأوكرانية "فلا هي ولا أي جهة أخرى قادرة على إقناع بوتين بسحب قواته من القرم".

وأشارت ستيوارت -في تصريحات للجزيرة نت- إلى أن توظيف برلين لعلاقاتها الجيدة مع موسكو في الأزمة الأوكرانية لم يتجاوز فتح قنوات اتصال مع القيادة الروسية، واتصال ميركل ببوتين هاتفيا وطرح كل منهما تصوراته للأزمة.

وأضافت أن هذه الاتصالات لم تحدث أي تغير في المواقف الروسية تجاه أوكرانيا، وفشلت في إقناع الكرملين بالسماح بوصول مراقبي منظمة الأمن والتعاون الأوروبي إلى شبه جزيرة القرم.

ورأت الباحثة في معهد الدراسات السياسية والأمنية -وهو إحدى آليات صناعة السياسة الخارجية الألمانية- أن برلين طورت موقفها من التحفظ تجاه موسكو حرصا على علاقتها الجيدة معها، إلى إظهار الحزم لبوتين بعدما تبين أن المفاوضات معه لم تؤد إلى شيء.

وقالت ستيوارت إن روسيا لم تخسر شيئا حتى الآن، لأن الإجراءات تجاهها اقتصرت على إيقاف الاتحاد الأوروبي مفاوضاته معها، لتسهيل إجراءات حصول الروس على تأشيرة دخول أوروبا، لكن استمرار الموقف الروسي الحالي سيدفع الأوروبيين للتصعيد بمنع شخصيات روسية من زيارة أوروبا، وفرض مقاطعة اقتصادية تضر بقطاعات واسعة من الاقتصاد الروسي.

شتاينباخ: لألمانيا دور مهم لكنه غير حاسم في معالجة الأزمة الأوكرانية (الجزيرة)

علاقات تاريخية
من جانبه، رأى مدير مركز آسيا وأفريقيا في جامعة ماربورغ الألمانية البروفيسور أودو شتاينباخ أن ألمانيا يمكنها التعويل على علاقاتها الجيدة مع موسكو في لعب "دور مهم لكنه غير حاسم" في الأزمة الأوكرانية، واعتبر أن نجاح هذا الدور مرتبط بوجود غطاء أوروبي وأميركي له.

وأشار شتاينباخ -في تصريحات للجزيرة نت- إلى أن الطرح الأمثل لألمانيا هو الوصول إلى مخرج للأزمة الحالية تتوافق عليه أوكرانيا وروسيا، وأضاف أن هوس الرئيس الروسي بفكرة إنقاذ روسيا يجعل كل شيء متوقعا منه، وأن هذا ظهر في موقف بوتين "البارد" في دعم الرئيس السوري بشار الأسد، وتعامله مع أوكرانيا كقطعة شطرنج يلقي عليها أوراقه.

وأكد البروفيسور شتاينباخ أن كون العقوبات الاقتصادية ضد روسيا سلاحا ذا حدين ومضرا للاقتصاد الألماني يجعل اللجوء لعقوبات قاسية ضد موسكو أمرا غير متوقع، فضلا عن عدم إفادتها كثيرا مع شخص مثل بوتين.

وأوضح أن ميل واشنطن إلى التصعيد وإجراءات المقاطعة ضد روسيا -عكس الموقف الألماني الساعي للمفاوضات- عائد لبعد الولايات المتحدة عن روسيا، وقدرة الأميركيين على تحمل هذه المقاطعة دون أضرار بخلاف الأوروبيين جيران روسيا.

وبدورها، أكدت كاترين كالفايت مراسلة صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" الألمانية في وسط أوروبا، ترجيح معظم المراكز الإستراتيجية في العالم عدم تضحية الرئيس الروسي بوتين بعلاقاته مع برلين وما تدره مبادلاته التجارية معها من مليارات، من أجل أوكرانيا.

وقالت كالفايت -في حديث للجزيرة نت- إن روسيا تدرك أن مساعيها لتطوير اقتصادها بإنهاء اعتماده الرئيسي على صادرات الغاز غير ممكن إلا بالتعاون مع الغرب، وأن القرم بحاجة لمساعدة ولسائحين من الخارج وليس منها.

وتوقع الباحثان سوزان ستيوارت وأودو شتاينباخ عدم اعتراف ألمانيا وأوروبا بأي انفصال للقرم عن أوكرانيا أو بضمها لروسيا، وأوضحا أن هذا سيماثل عدم اعتراف الدول الأوروبية باستقلال أوسيتيا الشمالية وأبخازيا عن جورجيا بتشجيع من بوتين بعد الحرب الروسية الجورجية عام 2008.

المصدر : الجزيرة