طرحت "القرارات التأديبية" التي أصدرها الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالمغرب إدريس لشكر ضد عدد من القيادات داخل الحزب، ومطالبته بفصل أحمد الزايدي من رئاسة الفريق البرلماني للحزب بمجلس النواب، تساؤلات حول مستقبل الحزب السياسي.

إدريس لشكر الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي (الجزيرة نت)
عبد الجليل البخاري-الرباط

بعد الخيار الذي اتخذه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالعودة إلى صفوف المعارضة، عقب تولي إدريس لشكر منصب الكاتب (الأمين) العام للحزب، دخل هذا الأخير في صراع مع قياداته، مما أثار تخوفات من حدوث انشقاقات جديدة في صفوفه.

وزادت العقوبات التي أقرها لشكر في حق رئيس الفريق البرلماني للحزب أحمد الزايدي، والخلافات بين قياديين سياسيين ونقابيين في الحزب من هذه الفرضية، رغم أن بعض المتتبعين يعتبرونها مجرد خلافات داخلية قد تتم تسويتها عبر وساطات للمصالحة.

وكان الحزب ظل حتى أواخر تسعينيات القرن الماضي واجهة المعارضة الأولى في المغرب، قبل أن يقبل في أواخر عهد الملك الراحل الحسن الثاني بالمشاركة في السلطة وقيادة الحكومة، بإشراف أحد زعمائه التاريخيين عبد الرحمان اليوسفي.

لكن الانتقادات الشعبية والسياسية التي وجهت لأداء وزراء الحزب زهاء عقد من الممارسة الحكومية أثرت على شعبيته ومكانته داخل المشهد السياسي، حيث تراجع في انتخابات عام 2011 إلى مراتب متأخرة لم يتوقعها أحد، ليقرر بعدها الرجوع إلى صفوف المعارضة.

لكن التنافس الكبير الذي شهدته عملية انتخاب لشكر الزعيم الجديد للحزب أمام منافسه الزايدي، خلق في ما بعد أجواء مشحونة، بعد تكوين المكتب السياسي الجديد للحزب، وانفجرت ليصبح الحزب منقسما بين تيارين مختلفين تتباعد بينهما الهوة حاليا بشكل متزايد.
 
كوكاس: الزايدي يدرك جيدا أن خيار الانشقاق مكلف جدا لتياره (الجزيرة نت)
خلاف جذري
وفي هذا الإطار، يرى الصادق الرغيوي -عضو اللجنة الإدارية للحزب والمحسوب على تيار الزايدي- في تصريح للجزيرة أن جوهر الخلاف يشكل طابعا تنظيميا في المقام الأول، لكنه لا يخفي أن الخلاف يشمل أيضا "عمق القيم" التي قال إنه لا يمكن فصلها عن الجانب التنظيمي.

وذكر الرغيوي أن هذا "الخلاف جذري حدث قبل مؤتمر الحزب الأخير، واستمر أثناء المؤتمر وتناسل بعده على كل المستويات، مركزيا ومحليا".

وطرحت "القرارات التأديبية" التي أصدرها لشكر ضد عدد من القيادات داخل الحزب، ومطالبته بفصل الزايدي من رئاسة الفريق البرلماني للحزب بمجلس النواب، والتراشق الإعلامي الذي أدى إلى وصْف بعض تلك القيادات الغاضبة قرارات لشكر بـ"الديكتاتورية"، تساؤلات حول مصير الحزب في ظل هذه التفاعلات.

ورغم محاولات متعددة من قبل الجزيرة نت، فإن لشكر رفض تقديم أي تفسيرات لمواقفه، في وقت اعتبرت شخصيات مقربة منه -رفضت الكشف عن هويتها- أن الموضوع له حساسية بالنسبة للحزب.

وفي هذا الإطار، اعتبر المحلل السياسي عبدالعزيز كوكاس -في تصريح للجزيرة نت- أن "الخلافات الجذرية" القائمة حاليا بين لشكر والزايدي هي نتاج غياب السلوك الديمقراطي داخل الأحزاب المغربية، و"إباحة الاختلاف داخلها من أجل تطوير البنية التنظيمية لهذه الهيئات السياسية".
العيموني: خيار الانشقاق سيضعف
الحزب أكثر
 (الجزيرة نت)

إقصاء المعارضة
وذكر كوكاس أن الخلاف نجم عن توجه لشكر بعد توليه قيادة الحزب لاستفراد التيار التابع له بتدبير التنظيم وإقصاء الأجنحة المعارضة له، وعدم قيامه بإدماج العناصر المحسوبة على منافسه السابق في رئاسة الحزب، وهو ما يضيع عليه فرصة أن يكون زعيما للحزب بمختلف أطيافه ومكوناته.

ورغم ذلك استبعد كوكاس إمكانية حدوث انشقاق داخل صفوف الحزب على اعتبار أن التجارب التاريخية للانشقاقات داخل هذا التنظيم خلفت على الدوام اندثار المنشقين وتحولهم مع مرور السنين إلى أقلية ضمن "هيئات سياسية هامشية".

وأضاف أن الزايدي يدرك جيدا أن خيار الانشقاق مكلف جدا لتياره، و"أنهم لا يساوون أي شيء خارج الحزب الأم"، موضحا أن "قوة الزايدي حاليا هو أنه رئيس الفريق البرلماني للحزب بمجلس النواب".

وبدوره استبعد الإعلامي المغربي خالد العيموني -في تصريح للجزيرة نت- أن تؤدي هذه الصراعات إلى حدوث انشقاق في صفوف الحزب لأن الكل سيكون خاسرا، مضيفا أن "التيارين المتنافسين لديهم وعي بهذه المعادلة السياسية الصعبة رغم ما يظهر على السطح من توتر في المواقف والتحركات".

وأضاف أن خيار الانشقاق سيضعف الحزب أكثر، وهو الذي طالما عانى في السابق من انشقاقات، وانبثقت من رحمه تنظيمات يسارية صغرى، معتبرا أن التوافق والحوار الداخلي يشكل الحل الوحيد لتجنب المأزق التنظيمي والسياسي الذي يعرفه حزب الاتحاد الاشتراكي من خلال العمل على القبول بـ"مؤسساتية" التيارات داخل الحزب والاحتكام إلى الديمقراطية الداخلية.

المصدر : الجزيرة