دون تدرج، تحول وزير الدفاع المصري المشير عبد الفتاح السيسي من واعد بالرفاه ورغد العيش إلى واعظ يحث على تحمل الفقر والعوز. وبينما رحب البعض بهذا التحول المفاجئ، رأى آخرون أنه يمثل اعترافا من السيسي بالعجز بالفشل.

السيسي تخلى عن الوعد بتحقيق الرفاه وطالب المصريين بترشيد الإنفاق الشخصي (الجزيرة)
أنس زكي-القاهرة
 
فجأة تحول الحديث وتغيرت اللهجة، فبعد تأكيده على أن الشعب المصري هو "نور عينيه" ووعوده بأن مصر ستصبح "قد الدنيا"، ها هو وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي -والذي يبدو حتى الآن المرشح الأبرز لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة- يتحول إلى خطاب آخر يركز فيه على أزمات معقدة تواجهها البلاد ويلمح إلى إجراءات تقشفية قاسية يمكن اللجوء إليها في المستقبل.

ومنذ إعلانه عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي في 3 يوليو/تموز الماضي بدعوى خروج مظاهرات شعبية ضده، تحدث السيسي دائما بأسلوب يدغدغ مشاعر المصريين ويعدهم بمستقبل مشرق تكون فيه مصر بين كبريات دول العالم.

لكن الرجل ذهب هذه المرة إلى أبعد مدى ولكن في الاتجاه الآخر، حيث قال إنه "من الممكن أن يُظلم جيل أو جيلان من المصريين كي تعيش الأجيال اللاحقة في وضع أفضل".

وأثارت التصريحات الجديدة جدلا على مواقع التواصل الاجتماعي حيث رحب بها البعض، في حين رأى آخرون أنها تمثل اعترافا من السيسي بالفشل في تحقيق ما وعد به المصريين.

سلام: تصريحات السيسي تدل على أن مصر تمر بأسوأ مراحلها الاقتصادية (الجزيرة)

وإلى جانب الرأيين، ركز فريق ثالث على أن فكرة التقشف مرحب بها على أن يمارسها من يقودون البلاد قبل غيرهم من عامة الشعب.

أزمات وإضرابات
وتأتي تصريحات السيسي بينما يشهد الواقع المصري حاليا تصاعد أزمات كثيرة، من إضرابات متعددة طالت قطاعات مهمة مثل الأطباء والصيادلة إلى جانب عودة أزمات انقطاع الكهرباء ونقص الوقود، مرورا بشكاوى متعددة من استمرار الفساد الذي كان من أبرز أسباب ثورة المصريين على نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك في يناير/كانون الثاني 2011.

ويعتقد الباحث والصحفي وليد سلام أن تصريحات السيسي الأخيرة دليل دامغ على أن الوضع الاقتصادي في مصر حاليا بات مترديا لدرجة كبيرة يمكن معها القول إن البلاد تمر حاليا بأسوأ مراحلها الاقتصادية عبر التاريخ.

وأضاف سلام للجزيرة نت أن المشكلة لدى النظام الحالي كما كانت في عهد مبارك هي سيطرة الفساد، مضيفا أن ميزانية الأجور تبلغ 170 مليار جنيه تنفق على 6 ملايين موظف بالدولة، لكن 21 ألفا من قيادات الدولة يستأثرون وحدهم بثلث هذه المبالغ.

وعن مدلول هذه التصريحات، يرى سلام أن السيسي بدا وكأنه يقول إنه لو أصبح رئيسا لمصر فلن يسمح باعتصامات أو إضرابات ولن يقبل مطالبات بزيادة الأجور أو حل مشاكل البطالة والإسكان وغيرها من المشكلات التي يئن تحت وطأتها كثير من المواطنين.

أما المحلل السياسي علاء البحار فذهب إلى أن تغير لهجة السيسي هو نوع من التبرير المسبق لفشله المتوقع في ظل تدهور شديد للاقتصاد جعل نسبة التضخم تصل إلى 14.7%، في حين تراجع النمو إلى 1% مقارنة بـ2.5 % خلال العام الذي تولى فيه مرسي مقاليد السلطة.

الشاذلي قال إن الشعب المصري لا يمكنه تحمل أي إجراءات تقشفية (الجزيرة)

ويعتقد البحار -وهو مدير تحرير سابق لصحيفة الحرية والعدالة- أن تصريحات السيسي تشير إلى أنه لا يملك رؤية واضحة أو برنامجا محددا لإنهاء الأزمات وتنمية الاقتصاد.

ويذهب إلى أن واقع الديون الخارجية والمحلية والاستثمارات الأجنبية وعائدات السياحة وعدد المصانع المتوقفة، يعكس أن الوضع أصبح أسوأ بعد الانقلاب.

ثورة جياع
من جانبه يرى النائب السابق بالبرلمان محمود الشاذلي أن تصريحات السيسي ربما تنبع من رغبته بمصارحة الشعب بالأزمات القائمة.

لكنه يضيف أن وزير الدفاع لا يدرك أن المصريين وفي مقدمتهم المؤيدون له لا يستطيعون تحمل أي إجراءات تقشفية وسيكتشفون سريعا أنه لم ينفذ ما وعدهم به.

ولفت الشاذلي -وهو نائب مدير التحرير بصحيفة الجمهورية الحكومية - إلى أن "الحقيقة المؤلمة" هي أن السيسي وعد سابقا بالحياة الرغدة، ثم حنث بوعوده بشكل لا يليق بمنصبه العسكري.

ويذكر بأن السيسي قال بعد عزل مرسي إن الجيش لا طمع له في مكاسب سياسية، لكنه سمح للمؤيدين له بحملات نفاق وصلت إلى حد وصفه بالرسول الذي سينقل مصر إلى مصاف القوى العالمية ويعيد لها القيادة والريادة.

وعن مطالبته الشعب بالتقشف، قال الشاذلي إن على السيسي وأنصاره ومؤيديه ورجال الأعمال الذين يمتلكون ثروات هائلة أن يكونوا هم القدوة في التقشف.

ويقول إنه ليس بإمكان أي نظام أن ينقذ الوطن من ثورة جياع قادمة مهما امتلك من أدوات السلطة أو مقومات البطش، طالما استمر الإصرار على سياسات الإقصاء والقهر والظلم.

وختم الشاذلي بأن السيسي عاد ليؤكد ضرورة تعاون الجميع للنهوض بالوطن وتجاوز الأزمات، وهو ما كان يتبناه مرسي، مما يؤكد أن ما يسمونه بثورة 30 يونيو هي انقلاب عسكري مكتمل الأركان، حسب تعبيره.

المصدر : الجزيرة