في ظل الأزمة الأوكرانية المتصاعدة وفشل التحركات الأميركية الأوروبية لحلها سلميا، تبقى العقوبات هي عصا أميركا الغليظة المرفوعة على روسيا بسبب تدخلها العسكري بأوكرانيا، وهي الخيار الأقرب اتخاذه بحق موسكو على المدى القريب، حسب خبراء ومحللين مختصين بالعلاقات الدولية.

خبير: واشنطن تبحث عن حل سلمي للأزمة وفقا لشروط معينة تظهر بوتين خاسرا (الفرنسية-أرشيف)

ياسر العرامي-واشنطن

بعيدا عن الصدام العسكري، تقلب أميركا أوراقها كي ترد على روسيا لتدخلها العسكري في أوكرانيا، ويرى محللون وخبراء مختصون بالعلاقات الدولية أن بلاد العم سام تبحث عن "عصا عقوبات غليظة" تؤلم موسكو دون أن تطلق واشنطن رصاصة واحدة على الأراضي الأوكرانية. 

وأخفقت أمس الأربعاء محاولة الولايات المتحدة وبريطانيا الجمع بين روسيا وأوكرانيا في اجتماع عقد بباريس لمجموعة تشكلت لضمان أمن كييف بعدما تخلت عن أسلحتها النووية في تسعينيات القرن الماضي.

وبينما أعلن حلف شمال الأطلسي (الناتو) بأنه يجري مراجعة كاملة لتعاونه مع روسيا، لوحت واشنطن بعقوبات ضد موسكو تشمل طردها من مجموعة الثماني، وذلك في سياق التصعيد الدبلوماسي الأميركي المدعوم من بريطانيا ودول أوروبية أخرى للضغط على روسيا للتراجع بشأن أوكرانيا.

وحذر وزير الخارجية الأميركي جون كيري روسيا من أنها تواجه عقوبات تؤدي إلى عزلها, وتشمل تلك العقوبات المجال الاقتصادي كسحب شركات إذا واصلت توغلها العسكري بشبه جزيرة القرم.

 شودكيفيتش: واشنطن وحلفاؤها
غير مستعدين للقتال من أجل أوكرانيا (الجزيرة)

صراع وعقوبات
وفي مؤشر آخر على التصعيد الدبلوماسي الغربي تجاه روسيا, أعلنت فرنسا وبريطانيا الاثنين الماضي انسحابهما من اجتماعات تحضيرية لقمة مجموعة الثماني المقرر تنظيمها في يونيو/حزيران المقبل في مدينة سوتشي الروسية.

الباحث في معهد السياسة الدولية بواشنطن ماريك شودكيفيتش يرى أن الأزمة لن تنتج "عواقب وخيمة" تصل للصدام العسكري، بل سيظل الأمر عند حدود المواقف السياسية واتخاذ قرارات معينة كفرض العقوبات ضد موسكو.

ويضيف للجزيرة نت أن روسيا لاعب دولي مهم للغاية، وبذلك فإن أميركا لن تبالغ في استعدائها أكثر مما يجب، واستبعد تدخل أميركا عسكريا أو حتى الطلب من الناتو القيام بهذه المهمة.

وأقصى ما يمكن أن تقوم به واشنطن -حسب شودكيفيتش- تحريك سفنها ووضع قواعد عسكرية أميركية في بلدان كبولندا أو ليتوانيا في حالة تأهب، لأن واشنطن وحلفاءها غير مستعدين للقتال من أجل أوكرانيا.

وخلص إلى أن "ليس هناك من هو على استعداد حقا للموت من أجل أوكرانيا باستثناء بعض الأوكرانيين في المناطق الغربية والوسطى من البلاد على وجه الخصوص".

ولكن هل تتأثر روسيا إذا فرضت أميركا عقوبات عليه؟ يؤكد باحث الأمن النووي في جامعة ستانفورد جيمس كاميرون للجزيرة نت أثر العقوبات على روسيا كونها تعتمد على تصدير الموارد الطبيعية كالنفط والغاز وحتى المعادن، وبذلك تحتاج الوصول إلى التمويل الدولي.

 كاميرون: البيت الأبيض يبحث
عن مجموعة محدودة من العقوبات (الجزيرة)

خسارة بوتين
وأضاف أن أعضاء النخبة الاقتصادية والسياسية الروسية أصبحت لديهم استثمارات وحسابات مصرفية كبيرة في الغرب والكثير من الممتلكات، وبالتالي فإن تأثير العقوبات على روسيا اليوم سيكون أكثر بكثير مما كان عليه الحال قبل تفكك الاتحاد السوفياتي أثناء الحرب الباردة.

وتحدث كاميرون عن وجود نقاش ساخن في الوقت الحالي بواشنطن وتحركات دبلوماسية مكثفة عبر الأطلسي من أجل قيام كل طرف بدوره، إلا أنه أشار إلى أن واشنطن هي البلد الأكثر احتمالا لفرض العقوبات.

وتابع أن تفاصيل العقوبات ضبابية في هذه المرحلة، غير أن البيت الأبيض-على ما يبدو- يبحث عن مجموعة محدودة من العقوبات في الوقت الراهن، بينها تجميد الأصول الروسية بالولايات المتحدة وحظر سفر المسؤولين الروس.

وأشار إلى أن واشنطن في الوقت نفسه تريد التنسيق مع الأوروبيين بشأن العقوبات، لأن ذلك سيكون له تأثير كبير على روسيا حينما تتخذ من قبل الطرفين معا. وأوضح أن الاتحاد الأوروبي لديه نفوذ أكبر على موسكو كون حجم التجارة بينهما أعلى بكثير مما هي عليه مع الولايات المتحدة.

إلا أن كاميرون لفت في الوقت نفسه إلى أن الدول الأوروبية ستكون عرضة للانتقام الروسي بشكل أكبر وعلى وجه الخصوص بريطانيا التي يساورها القلق من تأثير العقوبات المحتملة على روسيا، وانعكاسها سلبا على مدينة لندن باعتبارها موقعا جذابا للمستثمرين الروس، بينما تخشى ألمانيا من أن تقطع روسيا عنها إمدادات الغاز.

واستبعد كاميرون أن تتدخل أميركا عسكريا في أوكرانيا، مؤكدا أنها ستبحث عن حل سياسي للأزمة، ولكن وفقا لشروط معينة تظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خاسرا.

المصدر : الجزيرة