منذ أشهر طويلة وما إن شرع النظام السوري بفرض حصار على المخيم حتى بدأت تتلاشى مظاهر الحياة شيئا فشيئا، فغاب الخبز واختفت المواد الغذائية، ولم يعد الوقود بأنواعه موجودا، وفي حال وجد فإن أسعاره حلّقت فوق قدرة المواطنين على شرائه.

هكذا يحضّرون الشاي في مخيم اليرموك (الجزيرة)

الجزيرة نت-مخيم اليرموك

"انتظرت دخول المازوت إلى المخيم مع الهدنة، لكن هذه الهدنة لم تكد تبدأ حتى انتهت، وأغلق النظام الحواجز، ولم نتمكن من إدخال الوقود خلال أيام رفع الحظر، لأنها خصصت لإدخال المواد الغذائية"، هكذا عبّر بائع المازوت أبو محمد عن خيبة أمله لعدم تمكنه من إدخال الوقود وبيعه قبل انتهاء الهدنة.

لم يعد لبائع المازوت -الذي تعود الناس على سماع صوت مزماره أو صوته مناديا "مازوت.. مازوت"- أثر في أحياء مخيم اليرموك الدمشقي، بعدما اعتاد الناس عليه أثناء فصلي الخريف والشتاء.

منذ أشهر طويلة وما إن شرع النظام السوري بفرض حصار على المخيم حتى بدأت تتلاشى مظاهر الحياة شيئا فشيئا، فغاب الخبز واختفت المواد الغذائية، ولم يعد الوقود بأنواعه موجودا، وفي حال وجد فإن أسعاره حلّقت فوق قدرة المواطنين على شرائه.

ويبدي أبو ياسر -وهو سائق جرار تطوع لجمع القمامة من المخيم وإحراقها- خشيته من انتشار الأمراض والأوبئة، قائلا إنه يشتري لتر المازوت بخمسمائة ليرة سورية، أي ما يزيد على ثلاثة دولارات، يساهم في دفعها بعض أبناء الحي.

ويضيف أن المشكلة الكبرى تتمثل في أنه لا يجد في كثير من الأحيان المازوت الذي يشتريه.

أسعار خيالية للوقود بمخيم اليرموك (الجزيرة)

لم يدخل الوقود إلى مخيم اليرموك منذ بداية الحصار، والكميات الموجودة فيه الآن يتم جمعها من خزانات الأهالي والبيوت المهجورة، ومما يغنمه الثوار من مستودعات وقود النظام أثناء عملياتهم العسكرية.

ويؤكد ناشطون أن عناصر النظام المتواجدين عند الحواجز يبيعون الوقود للأهالي خفية أو بمعرفة قادتهم بأسعار مرتفعة، مستغلين حاجة الناس لاستخدامه في التدفئة والطهي، ويتم ذلك تحت جنح الظلام، وعند توقف القصف.

شح وغلاء ثمن
أبو محمد -بائع المازوت- هو الوحيد الذي لا يزال يبيع المادة لطالبيها. قال للجزيرة نت "لدي كمية قليلة، اشتريت اللتر الواحد بنحو 450 ليرة سورية، وأريد أن أبيعه بمبلغ خمسمائة"، مضيفا أن قليلين هم من يملكون ثمنه، وبات أغلبية السكان يستهلكون الحطب في التدفئة لأنه أقل تكلفة.

أما البنزين المستخدم في السيارات والدراجات النارية -التي تستخدم لنقل الجرحى والمرضى إلى المشفى الميداني وللتنقل بين الأحياء المتباعدة- فيصل سعر اللتر الواحد منه إلى ثلاثة آلاف ليرة سورية، أي ما يعادل عشرين دولارا، ولا يتم شراؤه إلا للضرورة القصوى.

وليس السكان المدنيون وحدهم من يعانون شح الوقود أو غلاء ثمنه، فعناصر المعارضة المسلحة هم كذلك يجأرون بالشكوى.

يقول أبو رشيد -قائد كتيبة في الجيش الحر- للجزيرة نت "كثيرا ما ننقل المرضى والجرحى على العربات التي تجرها الحمير أو الأحصنة، إذ لا يتوافر لدينا وقود لسياراتنا، كما أننا لا نملك ثمن البنزين".

في مخيم اليرموك يستخدمون
حطب الوقود لغلي الثياب وتنظيفها (الجزيرة)

وتابع والألم يعتصره "استشهد جريحان من الجيش الحر بسبب بطء نقلهما إلى المشفى، حاولنا إدخال بعض البنزين خلال الهدنة، لكن النظام لم يسمح بذلك".

ويبلغ سعر أسطوانة الغاز في حال توافرها أكثر من عشرين ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 140 دولارا، والمفارقة أن ثمنها ارتفع خلال فترة الهدنة إلى 150 دولارا، وهي تستخدم للطهي عادة وللتدفئة أحيانا، لكن ارتفاع سعرها جعلها حلما لأغلب أسر المخيم المحاصر، فاستبدلها المواطنون بالطهي على حطب الوقود".

أم جدعان سيدة فلسطينية تسكن مخيم اليرموك قالت للجزيرة نت "أطبخ لأطفالي منذ أكثر من خمسة أشهر على مدفأة الحطب، وأحيانا أوقد النار في بهو المنزل لغلي الثياب، وتحضير الطبخات الكبيرة إن توافرت موادها".

حتى الحطب بات يباع بأسعار مرتفعة تفوق قدرة الأهالي على الشراء، إذ وصل سعر الطن الواحد منه مؤخرا إلى أكثر من خمسين ألف ليرة سورية، ولا يكفي لأكثر من شهر، مما دفع الناس لقطع أشجار الحدائق والشوارع، وحتى أشجار الفاكهة في حدائق المنازل لم تسلم من القطع.

المصدر : الجزيرة