أعلنت الولايات المتحدة أنها تنوي اتخاذ عدد من الإجراءات العقابية بحق روسيا، وتبعتها بهذا الاتجاه دول أوروبية لا سيما فرنسا وبريطانيا. وتشمل تلك الإجراءات الانسحاب من الاجتماعات التحضيرية لقمة مجموعة الثماني الكبار المقبلة، فهل سيكون ذلك كفيلا بتغيير موسكو لموقفها؟

ناقلات جند روسية تصطف في أحد شوارع مدينة بالاكلافا بشبه جزيرة القرم الأوكرانية (رويترز)

أشرف رشيد-موسكو

تتواصل تداعيات الأزمة الأوكرانية بين روسيا والغرب، فيما تقف شبه جزيرة القرم في صدارة المشهد، فقد تعالت نبرة التهديد في الخطاب الغربي تجاه روسيا لحملها على التراجع عن تدخلها العسكري في منطقة القرم، فهل سيكون ذلك كفيلا بتغيير موسكو لموقفها؟

فقد أعلنت الولايات المتحدة أنها تنوي اتخاذ عدد من الإجراءات العقابية بحق روسيا، وتبعتها في هذا الاتجاه دول أوروبية لا سيما فرنسا وبريطانيا.

وتشمل هذه الإجراءات الانسحاب من الاجتماعات التحضيرية لقمة مجموعة الثماني الكبار المقرر عقدها في منتجع سوتشي الروسي الصيف القادم، وصولا إلى إلغاء عضويتها من المجموعة، بالإضافة إلى أنها قد تواجه عقوبات اقتصادية.

حسابات الحرب
نائب رئيس مركز دراسات رابطة الدول المستقلة، فلاديمير جاريخين، اعتبر أن الخطوات الحادة التي أقدمت روسيا على اتخاذها تنطلق من شعورها بالخديعة لعدم التزام المعارضة الأوكرانية بالاتفاقية التي وقعت في 21 فبراير/شباط بحضور ثلاثة وزراء خارجية أوروبيين، وفي اليوم التالي كانت المعارضة تنفذ خطتها للإطاحة بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش والحكومة، وهو ما عدته موسكو إهانة لها، وبالتالي كانت ردة فعلها شديدة.

جاريخين: روسيا والغرب غير راغبين بالحرب (الجزيرة)

وأضاف أن قرار الحرب ليس بهذه البساطة، فخوض الحروب يتطلب إجراء حسابات دقيقة للإمكانات العسكرية ومتانة التحالفات الخارجية وتماسك الجبهة الداخلية والتكلفة وأشياء كثيرة أخرى. وخلص إلى أنه لا روسيا ولا الغرب يرغبون بخوض حرب.

وحول تصعيد الغرب لهجته، أوضح جاريخين أنه تصعيد متوقع لكنه "كلامي"، بمعنى أن الغرب لم يرسل جيوشه ولم يعلن الحرب، فهم يدركون تماما مدى خطورة اتخاذ قرار من هذا النوع.

وأضاف أن "خصم الغرب هذه المرة هي روسيا بكل تحالفاتها وقدراتها العسكرية. ولعلنا نذكر عندما وقعت الحرب بين روسيا وجورجيا كيف أثار الغرب ضجة كبيرة، لكن الأمور سرعان ما عادت إلى طبيعتها".

تصعيد مؤقت
وفيما يتعلق بالعقوبات، اعتبر جاريخين أن مجموعة الثماني الكبار بتشكيلتها الحالية التي لا تضم الصين والهند والبرازيل هي تشكيلة ناقصة، وفي حال استبعاد روسيا صاحبة رابع أكبر اقتصاد من بين دول المجموعة، وسادس أكبر اقتصاد في العالم فإن هذا يعني أن المجموعة ستكون "اسما دون مضمون".  

لكنه استدرك بالقول إن موسكو "لا تستطيع إلى ما لا نهاية أن تتجاهل التهديدات الغربية، فهي حريصة على مصالحها مع أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وهي غير معنية بتأزم العلاقات وصولا إلى نقطة اللاعودة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد حلولا سهلة ولا تريد أن تخرج خاسرة، خصوصا أن قضية أوكرانيا وتقاربها مع الغرب قضية حساسة جدا لروسيا".

ورجح رئيس مركز دراسات رابطة الدول المستقلة أن تلي مرحلة اختبارات كسر الإرادة بين روسيا والغرب، فترة تهدئة وتراجع منظم، ذلك أن الطرفين صعَّدا في البداية لتغيير الواقع على الأرض.

واستطرد قائلا إن الغرب دعم الانقلاب، وروسيا تدخلت في شبه جزيرة القرم، ليكون لكل منهما أوراق قوة عند التفاوض الذي سيؤدي على الأرجح للعودة إلى اتفاقية 21 فبراير كنقطة انطلاق، خاصة أنها تتضمن إجراء تعديل دستوري وتشكيل حكومة وطنية ائتلافية وتنظيم انتخابات رئاسية خلال العام الحالي.

الولايات المتحدة وأوروبا لن تقدما على فرض عقوبات مشددة، لأنهما تعولان على أن تكون روسيا أحد الأطراف التي ستسهم ماليا في إنقاذ الاقتصاد الأوكراني
العقوبات الاقتصادية
المحلل السياسي يفغيني سيديروف اعتبر أنه من الضروري فهم السيكولوجية الروسية، فموسكو لا تثق بالغرب وبالولايات المتحدة تحديدا، وهي تعتبر أن ما حدث في الميدان وسط العاصمة الأوكرانية كييف لا يعدو أن يكون بروفة مصغرة لما يمكن أن يحدث في موسكو لاحقا.

ولفت سيديروف إلى أن الغرب سبق أن اتخذ قرارات بخوض الحرب عندما تعلق الأمر بأفغانستان أو العراق أو ليبيا، لكن عندما يتعلق الأمر بروسيا فإنه يتجنب التدخل المباشر، ويفضل استخدام وسائل الضغط غير المباشرة.

وأضاف سيديروف أن الحظر الاقتصادي تأثيره أكبر على روسيا من الاستبعاد من مجموعة الثماني، مذكرا بأن الاتحاد الأوروبي هو الشريك الأكبر لروسيا، ذلك أن 50% من ناتج التجارة الخارجية الروسية يأتي من دول الاتحاد وفي المقابل تقف روسيا في مقدمة شركاء الاتحاد الأوروبي التجاريين، أي أن الحظر سيضر بالطرفين، حسب تعبيره.

وأعرب عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة وأوروبا لن تقدما على فرض عقوبات مشددة، لأنهما تعولان على أن تكون روسيا أحد الأطراف التي ستسهم ماليا في إنقاذ الاقتصاد الأوكراني.

المصدر : الجزيرة